تستند سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط والعالم إلى الحد الأدنى من الدبلوماسية، التي يجري توظيفها في دعم الحلول العسكرية، وذلك على خلاف وصية المنظر العسكري البروسي الجنرال كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب هي وسيلة جدية لتحقيق غاية جدية، فالخطوط الأساسية لعقيدة ترمب للأمن القومي كشفت عن نزعة عسكرية صريحة من خلال مقولة"أميركا أولا"ومبدأ "السلام بالقوة"،ولا يكل ترمب منذ ترشحه للرئاسة عن الإفصاح عن إعجابه بالجنرالات وازدراءه للدبلوماسيين، وقد طالت سياسة ترمب العسكرية أقرب حلفاء أميركا في حلف شمال الأطلسي فضلا عن غيرهم في الشرق الأوسط.
يبدو أن ترمب من أنصار الإثارة على حساب الاستقرار، فقد بشر منذ توليه الرئاسة بشرق أوسط مثير، حيث نشر ترمب في 3 تموز ٢٠١٧ تغريدة على تويتر، قال فيها إن أشياء مثيرة للاهتمام تحصل الآن في الشرق الأوسط، دون أن يكشف عن طبيعة ما يحصل في المنطقة، وقال دونالد ترمب على حسابه:"تحدثت أمس، الأحد، مع الملك السعودي حول السلام في الشرق الأوسط"، مضيفا: "هناك أشياء مثيرة للاهتمام تحصل!"، ولم يكشف الرئيس الأميركي آنذاك طبيعة هذه الأشياء التي تحصل، وما إذا كانت تتصل بملف الأزمة الخليجية الأخيرة، أو بمسار السلام في الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي.
يبدو أن دونالد ترمب هو الرئيس الأميركي الأكثر إثارة على مستوى العالم، فمنذ أن أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية استبعد الكثيرون أنه سيُصبح رئيسًا فعليًا، إلا أن حدوث ذلك جعله العالم أجمع يترقب ماذا سيقول أو سيفعل، ويبدو أن نشاطه الدائم في موقع التواصل الشهير"تويتر"، يعد أحد أهم الأسباب التي تدفع الناس لمتابعته، وترقّب تغريداته البعيدة عن الدبلوماسية والرقابة الرسمية، على خلاف الرؤساء السابقين أو الآخرين، فقد أظهرت دراسة سنوية أعدتها شركة"بورسون كون اند وولف"المتخصصة بالإعلام والعلاقات العامة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحظى بأكبر عدد متابعين على تويتر بين قادة العالم، متقدما على البابا فرنسيس ورئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، وأفادت الدراسة التي حملت عنوان"تويبلوماسي"أنه مع حوالي 52 مليون متابع لحسابه"أصبح ترمب القائد العالمي الأكثر متابعة على تويتر في أكتوبر 2017 حين تجاوز البابا فرنسيس الذي أصبح الثاني عالميًا مع أكثر من 47 مليون متابع لحساباته في تسع لغات".
لا ينفرد الشرق الأوسط بالقلق من تغريدات وتصرفات ترمب المفاجئة والرعناء المنفلتة من أي ضبط أو رقابة، فهو يهاجم الحلفاء قبل الأعداء بمناسبة أو بدونها، ففي 11 يونيو 2018 نشر ترمب وابلاً من التغريدات على تويتر، صب فيها غضبه على بعض من أوثق حلفاء واشنطن بحلف شمال الأطلسي بسبب العجز التجاري الأميركي عقب اجتماع قمة مثير للانقسام لمجموعة السبع في كندا، وقال إن"التجارة النزيهة يطلق عليها الآن التجارة الحمقاء إن لم تكن متبادلة"، كما انتقد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لدفعها مبالغ لا تتناسب مع ما تدفعه الولايات المتحدة للحفاظ على هذا التحالف الغربي، وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحمي أوروبا بخسائر مالية، قائلاً:"إننا نحمي أوروبا بخسارة مالية ضخمة ثم بعد ذلك نُعامل بشكل غير عادل تجاريا. التغيير قادم".
أحدث أزمات ترامب مع حلفائه في الشرق الأوسط كان ضحيتها تركيا، فقد خصها بجملة من التغريدات والتصريحات المثيرة، وشن حربا تجارية على خلفية أزمة القس الأميركي المحتجز في تركيا، فقد كتب ترمب على تويتر في 17 أغسطس الحالي قائلا:"لن ندفع شيئا من أجل إطلاق سراح رجل بريء (القس الأميركي أندرو برانسون)، لكننا سنعمل على تخفيض النفقات على تركيا"، مشيرا إلى أن"تركيا استخدمت الولايات المتحدة لفترة طويلة لمصالحها الخاصة"، وفي وقت سابق، تحدث رئيس الخزانة الأميركية، ستيفن منوشين، عن الاستعداد لفرض عقوبات إضافية ضد تركيا، إذا لم يتم الإفراج عن برانسون، وتحتجز السلطات التركية القس الأميركي أندرو برانسون، الذي كان يدير كنيسة بروتستانتية في محافظة إزمير التركية، منذ أكتوبر 2016، بتهمة العمل لصالح شبكة السياسي المعارض فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني، وتعتبر تركيا شبكة غولن التي تسميها"الكيان الموازي"وحزب العمال الكردستاني كيانين إرهابيين، كما وجهت اتهامات للقس بالتجسس لأغراض سياسية وعسكرية.
نهج ترمب المثير في الشرق الأوسط يقوم على الابتزاز والتهديد باستخدام القوة، في سبيل تحقيق ما يطلق عليه "صفقة القرن"،وحسب رفائيل أهرين مع رئيس مندفع مثل ترمب، لاشيء مستحيل. غدا من الممكن حقا، كما هدد على تويتر، ان يعلن أن الولايات المتحدة سوف تتوقف عن تمويل السلطة الفلسطينية أو أن يطلب تنازلات مؤلمة من إسرائيل، أو أن يعلن انه يتخلى عن مشروع لعبة السلام تماما، ومع ذلك، تقدم تغريدات ترمب رؤى مثيرة حول نظرته للعلاقات الدولية وتطبيق سياسته الخارجية "أميركا أولا" في الشرق الأوسط. كل ذلك هو نظام المقايضة، وهو نظام من المعاملات الثنائية التي يهيمن فيها اللاعب الأقوى على الأضعف منه. لنسميها الداروينية الدبلوماسية.
تقوم"صفقة القرن"حسب المنظور الترامبي على إدماج إسرائيل في المنطقة من خلال تأسيس تحالف أميركي عريي إسرائيلي تحت ذريعة مواجهة الخطر المشترك المتمثل بالمنظمات"الإرهابية"و"إيران، فأولويات إدارة ترمب في المنطقة هي الحد من نفوذ إيران باعتبارها راعية للإرهاب، ومواجهة المنظمات الإرهابية، فالملامح الأساسية لتطبيقات صفقة القرن تجري عبر مدخل الإرهاب، وقد بدت واضحة المعالم عقب إعلان الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في ديسمبر 2017، تحقيقا لمبادئ وثيقة الأمن القومي التي نصت على جوهر الصفقة.
من خلال مبدأ المقايضة الدارويني تقوم سياسة ترمب على مبدأ"ادفع لتبقى"،فقد طالب ترمب خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي في 24 إبريل 2018 دول الشرق الأوسط بزيادة مساهماتها المالية"بصورة هائلة"،وفقا لقوله للقضاء على داعش، مجددا قوله بأن دول المنطقة لن تبقى أسبوعا بدون الحماية الأميركية،"دفعنا 7 تريليونات دولار خلال 18 عاما في الشرق الأوسط وعلى الدول الثرية دفع مقابل ذلك"، وقال إن:"دول المنطقة الغنية لم يكن لها لتستمر أسبوعا بدوننا لذلك يجب أن تدفع وتضع جنودها على الأرض، وكانت لدي رغبة أن ترسل دول أخرى جنودها إلى سوريا. على الدول الغنية في المنطقة أن تنشر قواتها في سوريا. دول عليها أن ترتقي وتدفع تكلفة حمايتنا لها؛ نحن نصرف أموالنا في الشرق الأوسط ولم نحصل على أي شيء وهذه الدول غنية وعليها الدفع تحدثنا إليها وسيدفعون"،وأضاف:"لا بد لهم من أن يدفعوا ثمن ذلك. وسيتم الدفع وسيتم تنفيذ ما نريده منهم ودون أي شروط "، في إشارة إلى دول الخليج الغنية.
عقب زيارة ترمب إلى المنطقة في أول جولة خارجية له افتتحها بزيارة الرياض في 21 مايو 2017، هاجم حليفته "قطر"،وقال:"خلال زيارتي للشرق الأوسط أكدت على ضرورة وقف تمويل الأيدولوجية المتطرفة. والقادة أشاروا إلى قطر – انظر!"،وقال في تغريدة له على تويتر بعد عودته من الرياض في 27 مايو 2017، إنه جلب من الشرق الأوسط مئات مليارات الدولارات لبلاده، وأضاف"هذا يعني وظائف، وظائف، وظائف"،وقد استبق ترمب زياراته بمهاجمة إيران والاعلان عن عزمه الانسحاب من الاتفاق النووي، وقال ترمب، في 13 مايو 2017 وقال في تغريدة على موقع تويتر: "تذكروا مدى سوء كيفية تعامل إيران مع الاتفاق النووي. لقد كانوا يحاولون السيطرة على الشرق الأوسط بأي طريقة كانت. والآن، لن يحدث ذلك".
دشن ترمب في الثامن من مايو 2018 قرار انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، ورغم الانسحاب من الاتفاق النووي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استعداد واشنطن لعقد ما وصفه بـ"صفقة حقيقية"حول برنامج إيران النووي، وقال ترمب في كلمة ألقاها أثناء اللقاء مع المحاربين القدامى في الحروب في الخارج في 24 يوليو 2018:"سنرى ماذا سيحدث، لكننا مستعدون لعقد صفقة حقيقية، وليس مثل الصفقة التي عقدتها الإدارة السابقة، والتي كانت كارثية".
خلاصة القول فإن جوهر الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تنتمي إلى النزعة البراغماتية الواقعية، لكنها مع ترمب أشد فجاجة وأكثر وقاحة، وتقوم على استخدم القوة العسكرية على حساب الدبلوماسية، ولا نزال بانتظار شرق أوسط أكثر إثارة مع ترمب.