يطالع الإنسان العربي المنشغل بقضيته المصيرية فلسطين وجوهرها القدس في العديد من الأوقات أخباراً وتصريحات ومواقف تثلج الصدر، وتمنحه يقيناً بأن العالم لا يقف صامتاً دوماً أمام طغيان الاحتلال الإسرائيلي للمقدسات والأرض في فلسطين، كما أن مثل هذه المواقف البطولية التي تتبناها الدول تبعث فينا الأمل والثقة بأن هناك أمماً ما تزال ترفع على رأسها تاج الحق وتؤمن من منطلق التعايش الحضاري الإنساني بأن من حقنا جميعاً على هذه الأرض أن ننعم بالمحبة والكرامة والحرية.
إن مثل هذه المواقف تكتسب خصوصيتها من دورها في تدعيم النفسية والمعنوية العربية التي باتت بعد وقوعها تحت تأثير الكثير من النكسات في حالة صعبة تُعاني من ضغوطها الأمرَّين، لذا فإن هذه النفسية القابلة للحياة باتت اليوم وفي ظل مواقف المناصرة التي تبديها الكثير من دول العالم سواء من اعترفت بفلسطين وبتمثيلها في الأمم المتحدة أو من تدعمها وتآزر قضيتها وترفض جميع التصريحات والانتهاكات الباطلة التي تقوم بممارستها السلطات الإسرائيلية التي لا تراعي أي نوع من أنواع الالتزام القانوني أو الإنساني. جميعها تشكل ضغطاً عالمياً لا يمكن إهماله في المحافل الدولية مهما كانت إسرائيل تحظى بالدعم من البعض.
ومن الجدير بالشكر والثناء بل والانحناء رمزاً للتقدير ما قام به البرلمان الايرلندي "مجلس الشيوخ" مؤخراً من تصديقه على قانون يحظر استيراد المنتجات المصنعة في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، إن هذا القانون يكسب أهميته من عدة جوانب وهو أن ايرلندا الدولة الفعالة من الناحية الاقتصادية سوف تغلق على إسرائيل سوقاً تجارياً مهماً، كما يشكل موقفها تغيراً ملحوظاً من قبل القارة الأوروبية الداعمة باستمرار لإسرائيل، وقد جاء هذا الموقف بالتزامن مع الغطرسة الإسرائيلية وسياستها المدمرة على العديد من المدن والقرى الفلسطينية ولنا في غزة والخان الأحمر أكبر شاهد على ذلك.
ومن المواقف التي تذكر أيضاً موقف حكومة كندا إذ عبرت عن استعدادها لمناقشة الملف الفلسطيني وتداعياته مع السلطة الفلسطينية وحرصها على الاستمرار في دعم المنظمات والهيئات الأممية القائمة على تقديم الخدمة للمواطنين الفلسطينيين فهي تقدم مساعدات سنوية تقدر بحوالي (60) مليون دولار، إضافة إلى دعم الأونروا بحوالي (25) مليون دولار، ومساعدات أخرى طارئة تقدر بحوالي (10) مليون دولار، وهي مواقف تؤكد وجود شعور حقيقي داخل الدولة الكندية بضرورة نصرة أصحاب الحقوق وهم الشعب الفلسطيني.
ويضاف لهذه المواقف الشجاعة موقف كولومبيا واعتراف حكومتها الجديدة وبعد يوم واحد من تسلمها مهامها، مما أثار شعور الفشل والإحباط لدى إسرائيل، وقد جاء نص القرار الكولومبي ببيان رسمي: "باسم حكومة كولومبيا قرر الرئيس خوان مانويل سانتوس الاعتراف بفلسطين دولة حرة مستقلة وذات سيادة".
لا شك أن الدول الحرة مهما كان وزنها السياسي ودورها الإقليمي في صناعة الدبلوماسية العالمية إلا أنها إذا ما اتخذت قرارها بشكل حر ومستقل يمكن لها أن تضع فارقاً على الساحة الدولية في مناصرتها لأكثر القضايا العالمية تعقيداً، خاصة مع وجود التعنت الإسرائيلي تجاه رفض القرارات الشرعية الدولية والجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني والتي لا تعد ولا تحصى يومياً.
ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن قرار ايرلندا على الرغم من أنه أحادي الطرف رغم محاولة إسرائيل تغيير مساره إلاَّ أنه قرار ملزم لإسرائيل في التجارة والاقتصاد وهو أمر يشكل كسراً لشوكتها وعنجهيتها خاصة أنها في الكثير من الأحيان تلجأ لمنع القرارات الصادرة ضدها من خلال طلب دعم بعض الدول لها، لذلك يبقى موقف ايرلندا درساً عالمياً في مفهوم سيادة الدولة الحرة، ونموذجاً للمواقف الدولية التي تخدم القضية الفلسطينية.
لا شك أن استمرار مثل هذه المواقف له شأن في دعم القضية الفلسطينية، فشكراً للعالم الحر لوقوفه مع الإنسانية وشكراً لايرلندا وكندا وكولومبيا ولا ننسى موقف السويد السبّاق للاعتراف بالدولة الفلسطينية ومعظم دول أمريكا اللاتينية لشجاعتهم ولمناصرتهم للحق الفلسطيني.
ولعل شكرنا وتقديرنا هذا يدفعنا للسؤال ماذا ينتظر العالم وحكوماته التي تدين إجراءات إسرائيل وممارساته الظالمة على الشعب الفلسطيني الأعزل من مواجهتها بفعالية، وما الذي يمنعها من الاعتراف بالدولة الفلسطينية قياساً بإعلانها بعد ساعات وأيام اعترافها بإسرائيل فور إعلانها بشكل منفرد ومنزوع الحق والشرعية بأنها دولة ذات سيادة، إن على العالم والعرب (مسلمين ومسيحيين) بوجه الخصوص التحرك الدؤوب لوقف الظلم والاستهتار الإسرائيلي بكل القيم والمبادئ، وها هي الأخبار اليومية تصف قسوتهم وشدة ظلمهم على شعبنا الفلسطيني من البحر إلى النهر. ألم يأتي موعد وحدتنا ووقوفنا صفاً واحداً متماسكاً أمام طغيان وعنجهية إسرائيل والتي لا تضع في اعتبارها كل القرارات والقوانين التي اتفقت عليها كافة دول العالم ومؤسساته.
أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس
rcja@rcja.org.jo
دول العالم الحر المناصرة لقضية فلسطين شكراً
10:00 19-8-2018
آخر تعديل :
الأحد