كتاب

الانتماء الأيديولوجي للهوية المستقلة (تفصيلات جديدة ومهمة)

أحيانا كثيرة ندخل في حوارات ونقاشات بيزنطية حول أفضلية وفضائل الشخصية الحزبية، أو فلنقل الشخصية المعروفة بانتماءاتها وتوجهاتها السياسية أو الفكرية لحزب أو تيار أو أيديولوجية محددة، مقابل الشخصية المستقلة التي ترفض أو لا تنسجم مع آليات الالتزام الصارمة ضمن توجه محدد الملامح، مؤطر في إطار جامد وواضح وصريح، إلا أنه معد سلفا بناء على معايير ورؤى لها ما لها من مسوّغات وذرائع، قد تكون من وجهة نظر المستقل محددات هلامية، أو نمطية وتقليدية، أو ربما ضيقة وخانقة، أو قاصرة، أو في أحسن الأحوال لا يناسب مقاسها تفاصيل الجسد الفكري للمستقل.

السؤال الذي يطرح نفسه وصولا للمعالجة:

هل يمكن للإنسان أن ينتمي إلى تجربته الخاصة التي تشكلت لديه؟

هل يمكن للفرد الانتماء لمنظومة قناعاته؟

لتجربته الحياتية الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية؟

أريد أن أكون منتميةً للمنظومة القيمية التي تشكلت لدي من خلال عاملي النضج والتعلم!

كل منظومة فكرية أصولية أو ليبرالية تتغنى بحرصها على حرية الرأي والتعبير، وتنادي بالديمقراطية، وتدعو إلى احترام الرأي والرأي الآخر، وجب عليها وجوباً أن تكفل استقلال آراء وأفكار أعضائها وعناصرها المؤمنين بها، وأن تضمن لهم حرية التعبير عن أنفسهم دون قمع أو تخوين!

عندما أكون إنسانة وطنية عروبية فأنا أومن بالاستقلال الوطني للدولة الأردنية كما أومن تماما بقوميتي العربية كجزء من الجسد العربي الكبير، بلا تضارب بين شعوري بالانتماء للوطن الجزء المستقل عن الوطن الكل في بوتقة ولاء شاملة.

بعيدا عن الخوض في جدلية فلسفية عقيمة تناقش إشكالية تعريف الثوابت المطلقة والمتغيرات النسبية في زمن الثابت الوحيد فيه هو التغيير المستمر، نحن نعي تماماً أن الثوابت المطلقة الكبرى لا جدال فيها، إلا أنها تتضاءل كمّاً ونوعاً لصالح التمدد الأفقي والعامودي للمتغيرات النسبية التي تستجد وتتغير وتتبدل باستمرار باختلاف المدخلات والمعطيات الظرفية ضمن السياق الكلي، وهذه موضوعية وعقلانية ومنطقية وعملية في الطرح وليست براغماتية أو ميكافيلية كما يدعي بعض المنظّرين، بالرغم من أن البرغماتية تعتمد على فاعلية الممارسة العملية، وربط مدى مصداقية النظرية بمدى نجاح التطبيق، فالنتيجة هي المعيار، والفعل أهم من القول، والأثر المنجز على الواقع هو المحدد والمعيار.

كما أن أكثر منظري الطوباوية هم ميكافيلليون بالممارسة!

والانتماء بوعي يختلف تماما عن سياسة القطيع وهدر الكرامة!

والاحتفاظ بالهوية المستقلة داخل المنظومة يخلع عنك صفة التبعية والانقياد الأعمى!

فقدان الرغبة أو فقدان القدرة على الإدلاء بالرأي، أو التعبيرعن الفكر، أو ممارسة القناعات لصالح المنظومة المهيمنة المسيطرة، هو انصهار يؤذي كينونة الفرد، واستقلاليته وإنسانيته وحقه في أن يكون حراً، وهذا المنحى يختلف كلياً عن الاندماج الذي قد ينشأ بين أفراد وعناصر ينتمون لإيديولوجية سياسية أو فكرية محددة، يحملون أفكارا متشابهة حول ثوابت أساسية، ويؤمنون بمنظومة قيمية مشتركة، ويتفقون على مبادئ جوهرية قد يختلفون جزئياً في صياغتها، إلا انهم يندمجون مع بعضهم البعض مع الاحتفاظ بالاستقلالية الفردية للعنصر داخل المركب دون انصهار.

أعتقد أن الاستقلالية الفردية ضمن الانتماء الجمعي ظاهرة صحية سيعمل القيادي على إحيائها وسيخمدها المدير، وسيدعو لها الديموقراطي ويقمعها الديكتاتور، وسيشجع عليها الذي يهدف إلى الصالح العام للمجموع بينما سيخشاها ويئدها الذي يصبو لتحقيق مصالح ومكتسبات شخصية من خلال إذكاء ثقافة الإذعان والتبعية والخنوع، ذلك أن استقلالية الفكر تمنح مساحة للخلق والإبداع، والخروج عن المألوف والتفكير خارج الصندوق، ومن ثم ستتكوّن بالضرورة تلقائياً بيئة خصبة للمنافسة والتميز، مما سينعكس إيجاباً على التطوير والانفتاح على الآخر، مما سينجم عنه بلا أدنى شك تلاقح للأفكار وتحسين نسل المنظومة الفكرية ككل، فتتشكل حالة مستمرة من الإبداع والتغيير والتطوير، وتراكم الخبرات وتمحيص الخطأ من الصواب، فتزدهر الأيديولوجية الفكرية وتخرج من حالة الجمود والتصلب التي تعاني منها الكثير من الأيديولوجيات التي تهاب الحرية والديمقراطية والاستقلالية، وهذا يقودنا لتلمس أحد أهم وأعم أسباب تراجع الحياة الحزبية، لن أخوض في تفاصيلها فهي خارج نطاق المعالجة ضمن هذا المقال، ولكن الحديث هنا يقودني إلى الشيخوخة الفكرية التي قد تصل إليها الكثير من الكتل والتيارات أو الأحزاب والأيديولوجيات نتيجة الهرم الفكري الذي قد يؤدي لخرف فكري أو إلى"عفن فكري"، بسبب انقطاع هواء وأوكسجين التجديد والتغيير عن هذا الفكر، بما يتلاءم والتغيرات المحيطة، وينسجم مع المتغيرات، ويواكب التطورات، من خلال المواءمة بين مفاهيم المنظومة وألية التطبيق، هذا الانحباس الحراري داخل الحزب يحدث عندما تثقب طبقة الاستقلالية فيه.

ربما من الضروري التنويه هنا لحتمية وجود منظومة فكرية وأخلاقية تحكم الشخصية المستقلة، تتشكل كما أسلفنا من خلال قناعات تحددها الشخصية، بغض النظر عن مدى احتمالية صواب أو خطأ تلك القناعات، في نهاية المطاف ستكون هي المرجعية القيمية التي ستحتكم إليها، وغياب هذه المنظومة المرجعية تعني ضلال هذه الشخصية ووصمها بالانتهازية، أو الوصولية أو اللامبدئية، والتخبط والعشوائية، لذلك يحل للشخصية المستقلة أن لا تتبنى قوالب فكرية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو قيمية معلّبة مسبقا، شريطة أن يتوفر لها بديل خصب من الثوابت المرجعية المبدئية للاحتكام والارتكاز بهدف تحقيق الصالح العام.