اصلاح الشيء يعني جعله يعمل في الاتجاه الصحيح، وتلافي الخطأ الذي يكون وقع فيه لأجل أن يأتي ثماره المرجوه منه ولا يبقى يدور في حلقة مفرغه عديمة الفائدة، والاصلاح كلمة واسعة الطيف على اطلاقها تخضع للتفسير والتوصيف المتعدد الدوافع والمختلف الاتجاهات التي قد تفضي احيانا لإحالته لمجرد مشروع افتراضي ينأى بنفسه عن الواقع العملي الاجتماعي ومتطلباته الآنية والمرحلية التي تتعلق بحياة ومصلحة الأغلبية الساحقة من المواطنين ومعاناتهم اليومية لتلمس آثاره المباشرة التي ينبغي أن تكون في خدمة حركة المجتمع الحيوية والانسانية وتحقيق اجندة التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق يأتي دور العدالة الاجتماعية كدليل عملي ومرشد حيوي لعملية الاصلاح المثمرة والجادة لتبقى حالة واقعية شمولية منظمة وموحده، ومرتكزة على آمال وتطلعات القاعدة الشعبية العريضة، الأمر الذي يوظف الاصلاح كمشروع حياتي نابع من طبيعة الهيكل الاجتماعي القائم وبما يؤدي في نهاية المطاف الى الاستقرار والسلم الاجتماعي الدائم على وقع مفهوم العدالة الاجتماعية الرائد بما يحمله من معان شعورية ونفسية سامية تشيع روح الألفة، وأطمئنان الأغلبية الى ممارسة حقوقها الدستورية كالمساواه أمام القانون، واتاحة فرص العمل، وحرية التعبير، والمشاركة في صنع القرار وعدالة توزيع مكاسب التنمية.
والاصلاح السياسي يتطلب تفعيل دور المؤسسات ذات العلاقة التشريعية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني الاعلامية والثقافية والنقابية والأهلية لممارسة دورها ضمن سقوف واضحة المعالم، وممنهجة البرامج، تحت مظلة دستورية وقانونية جامعة تستلهم المصلحة الوطنية العليا بغض النظر عن مواقعها الفرعية وصفاتها المهنية، كذلك من الأهمية بمكان عند أختيار القيادات والمناصب العليا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لإستقامة جدية العمل، وتفعيل الاداء حفاظا على المكتسبات المتحققة من الاجتهاد السلبي او القصور الذاتي.
كذلك المبادرة لبلورة صيغة عامة لتعريف رؤية النهج الاقتصادي المتبع، وسقف الحرية المتاحه لهم بما يلائم حركة القطاع الخاص والعام تحت مظلة منهجية موحده تساهم في تفعيل توجهات التعامل الاقتصادي والتجاري النوعي، وقطاع الاعمال واقتصاد السوق بما يؤدي لخطوات عملية ملموسة لضبط الاسعار وتحسين الجودة، وتطويع الطاقة والصناعة للأستثمار المباشر، وتحسين نوعية الخدمات في النقل والاسكان والمرافق العامة.
وفي التوجه الاجتماعي فان محاربة الفساد المتعدد الوجوه والفعاليات التي تلقي بظلالها السلبية على عملية التنمية والتطور، وتضع الحواجز أمام أي نجاز واعد، وتدفع بالاصلاح لمتاهة ومنزلق الشك والاحباط لحرفها عن مسارها المتعاظم بالتزامن مع بلبلة اعلامية مستشرية لخلط الاوراق والارتباك في توجهات الرأي العام الذي هو أحوج مايكون الى التماسك، وتعظيم الايجابيات التي تلهم مسيرة العمل وتذكي وهج العزيمة.
وعلى هدي قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المنافع فأن الحاجة ملحة لمراجعة نقدية واعادة النظر في بعض القوانين والانظمة وتصويب مضمونها لكي تصبح اكثر ملائمة لروح العصر، ومتطلبات المرحلة مثل توحيد مظلة التامين الصحي العادل واعتبار المرضى كادر واحد دون تصنيف تعسفي، واتاحة فرص التعليم العالي الحر، وتحسين الروتين الاداري، وايجاد حل عاجل لمعضلة النقل، ومراجعة عادلة لقانون التقاعد المدني لانصاف المشتركين القدامى، وغير ذلك من المشاكل العالقة التي تستدعي الحلول الآنية وعلى المدى الطويل.
والأردن كبلد قدره أن يبقى في قلب الأحداث ومهب الرياح العاصفة التي تجتاح المنطقة بما فيها من ويلات الصراع المأساوي، وتدفق المهاجرين القسري من كل حدب وصوب، لابد له أن يتفوق على نفسه في ادارة الموارد وتعظيم التطور على أسس واقعية عملية ونظرية قادرة على الصمود، واجتياز المراحل التي لايمكن التنبؤ بمجريات أحداثها على ضوء التجاذبات الدولية والاقليمية المتفاقمة التي أخذت مسارا دراماتيكيا مفتوحا يجتاح المنطقة دون هواده، وخير طريق لمواجهة ذلك هو بناء هيكل اصلاحي شامل لرؤية اجتماعية عادلة تكون بمثابة الدرع الواقي لمواجهة التحديات، واثبات الوجود الذاتي للصمود والاستمرار.