دخل الدكتور عمر الرزاز وفريقه الوزاري منذ أيامه الأولى حرباً على الفساد، ربما لم يكن جاهزاً لها تماماً، إلا أن الظروف أجبرته على هذه المعركة، خصوصاً بعد ظهور حالة فساد عُرفت باسم قضية الدخان، وحاولت الحكومة جاهدة إرسال إشارات إيجابية على وجود إرادة حقيقية لمحاربة الفساد، ولكن لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت الإرادة تتلازم مع قدرة فاعلة للتعامل مع هذا الملف الحساس، وهو ما يعكس حالة من الترقب لمعرفة النجاح المتحصل في هذه المعركة.
ولأن معركة الفساد استحقاق وطني بامتياز، فإننا نأمل أن تقدر الحكومة على تحقيق إنجازات ملموسة في حربها ضد الفساد، ولكن لتحقيق ذلك لابد للحكومة من بناء تصور استراتيجي للمعركة وتصور تكتيكي يمشيان جنباً إلى جنب، ومن دون وجود هذا التفاعل بين هذين التصورين سيحكم على هذه الحرب بالخسارة قبل إتمامها.
فالتصور التكتيكي يذهب لضرورة محاسبة حيتان الفساد وعدم إبقاء المحاسبة لصغار الفاسدين، فمعاقبة هؤلاء تدلل على جدية في الحرب على الفساد وتمنح الحكومة مصداقية شعبية تحتاجها للدخول بصورة أكبر في هذه الحرب، بشرط ألا تتحول هذه المعركة لظهور إعلامي إعلاني للحكومة، وأن لا تتخذ شكل التصفيات السياسية، وهو ما يتطلب من الحكومة بناء قضيتها قانونياً بصورة محكمة، وألا تتساهل في هذا المجال، كي يستطيع القضاء النزيه أن يحكم على هؤلاء الفاسدين وهو مقتنع ضميرياً وقانونياً بصحة حكمه.
وعلى الحكومة أن تراعي في حربها على الفساد أمراً حساساً وهو ألا تقود هذه الحرب إلى فقدان الثقة بالدولة لدى المواطنين، فانتشار محاكمة الفاسدين الذين هم جزء من (سيستم) الدولة يعطي انطباعاً عاماً أن الفساد تغلغل إلى مختلف مفاصل الدولة، وهو ما قد يفقد المواطن ثقته بالدولة أو بقدرتها على التعافي، مما يعطي أثراً سلبياً يمنع الحكومة الحالية والحكومات اللاحقة من دخول معركة ضد الفساد.
أما الجانب الاستراتيجي في الحرب على الفساد يتمثل بإعادة تعزيز البنية الاجتماعية الرافضة للفساد، ولا يتحقق ذلك إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، فالولاء للوطن أولاً وأخيراً وليس لأي انتماءات فئوية أو جهوية، وعلى الحكومة أيضاً مهمة إعادة الاعتبار للطبقى الوسطى، فحين يصبح غالبية المواطنين ينتمون إلى هذه الطبقة فإن الحكومة ستكسب جمهوراً عريضاً يرفض الفساد، ويتمتع بقيم أخلاقية وقيمية إيجابية، وهو ما يعني أنه على الحكومة البدء بوضع خطط اقتصادية واجتماعية لزيادة مساحة هذه الطبقة وزيادة تفاعلها وتأثيرها داخل المجتمع.
كثيراً ما تشير التقارير الخاصة بالشفافية إلى أن العنف والفساد السياسي والفقر تتلازم دائماً، فالفساد يوسع الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، ويزيد حالة التوتر الاجتماعي داخل الدولة، مما يؤدي إلى تزايد ظاهرة العنف، وهو ما يعني ضرورة ضرب منظومة الفساد المتصلة، وتجفيف مناطق الفقر عبر زيادة معدل الدخل الفردي الموزع بعدالة، ومحاربة ظواهر العنف، مما يعيد للدولة اعتبارها وقدرتها وقوتها اللازمة للمضي قدماً في محاربة الفساد.
كل ذلك يتطلب من رئيس الحكومة كقائد للحرب على الفساد إحاطة نفسه بمجموعة متعاونة ومؤمنة بضرورة وجدوى هذه الحرب، وعليه أن يبحث جيداً داخل مؤسسات الدولة، فقد يجدهم من ضمن فئة الموظفين الموجودين في الدرجات المتوسطة من السلم الوظيفي، بالإضافة لبعض من يتواجدون في قمة الهرم الوظيفي، أو من ضمن أشخاص يعملون خارج المؤسسة الرسمية ومشهود لهم بالنزاهة ونظافة اليد.
الحرب على الفساد حرب لا تقبل احتمال الخسارة، لأن الخسارة تعني انهزام الدولة لمصلحة منظومة الفساد التي ستتحكم في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ما يعني أن الدولة إذا انهزمت في هذه المعركة نكون قد قطعنا تذكرة باتجاه واحد إلى الهاوية.
roumanhaddad@gmail.com
دولة الرئيس.. كي لا نسقط إلى الهاوية
11:00 29-7-2018
آخر تعديل :
الأحد