أنا حزين جدا، فلقد تابعت تفاصيل قضية السجائر المزورة وما تبعها من أحداث ..واكتشفت أن هذا الرجل كان يعرف الكثير من الناس، فلقد ظهرت صوره مع نواب، أعيان، مع صحفيين وكتاب ..مع مسؤولين .
إلا أنا ...سامحه الله عرف الكل وتركني، اين كنت عني يا صديق؟ ..مع أنني منذ طفولتي وأنا أمتلك خصال الفساد النبيلة مثلا : في الصف السابع زورت علاماتي في مبحث التربية الإسلامية من 60% إلى 69% ..وضعت الرقم تسعة مكان الصفر ومر الأمر عاديا ...
زورت وجهي، هل تعرفون كيف تزور معالم الوجه؟ ..لقد غادرت الكرك طفلا، وحين ودعتني ليلى ابتسمت لها..وكانت شقية على أول دروب الحب، هي لم تكن ابتسامة ..كانت ألف دمعة والف غصة في القلب، وكل حزن الأرض ..لقد زورت ملامح وجهي كي لا أبدو عاشقا .
زورت أعراض القولون التي تصيبني عند الدكتورة (ميسم العكروش) ..قلت لها : (شوية ألم) ...وشهيتي ممتازه ..وأنا مرتاح قليلا (للكرش) كون أولادي الصغار يحبون (التطبيل) عليه مع أني جئتها ..على درب من الالام ...
زورت الحياة بتفاصيلها، حين أقنعت نفسي أن الملح يشبه السكر في الطعم، وأن الليل هو مجرد جديلة ليلى السوداء التي نثرتها على مصباح بيتنا، وأن صوت العصافير مزعج وكان من الممكن أن يأتي الصباح بصوت (موزع الغاز) مثلا وليس بصوت العصافير، وأن الحمام ليس من فصيلة الطيور بل وجبة تقدم في المطاعم الشعبية ...زورت الحياة، حين نظرت للدم على أنه مجرد سائل لونه أحمر، يسفك من دون سبب ...
وأكثر شيء زورته في حياتي هو الحروف ...فلقد تركتها، تلعب بي مثل الريح ..ترفعني تارة، وترديني تارة أخرى .
أعتب عليك يا صديق، كيف صادقت الكل في وطني وتركتني ..كان بودي ولو صورة معك، أتباهى بها أمام العائلة الأشقاء العشيرة ..صور تعيد ثقة الناس بي ..وتسألني بكل ما في السؤال من شك : (كم قبضت)؟