كتاب

في ذكرى استشهاد الملك المؤسس عبدالله الأول طيب الله ثراه

تظل شخصيات القادة العظام، والرموز التاريخية الكبيرة مستهدفة من البشر، رغم ما يقدمونه ويبذلونه لشعوبهم وكأن قدرهم ان يلاقوا وجه ربهم مضرجين بنجيع دمهم ليكون ثمن استقرارهم في نعيم الدارالباقية.

وتظل قوى الشر والعدوان متعطشة للجريمة وحرمان الشعوب والأمم من جهد المصلحين والعاملين في سبيل الخير، فلا يروق لهم الاستقرار ويعز ان يروا عامة الناس وهي ترفل بأسباب الرخاء والطمأنينة.

ولعل هؤلاء الأبطال عرفوا ما ينتظرهم من مصير، فاعتبروه قدراً محبباً ونهاية فضلوها على ان يموتوا حتف أنوفهم، وربما سعوا الى تلك النهاية بأرجلهم غير هيابين بها، يستقبلون الموت ويعشقونه كما يعشق غيرهم الحياة.

وهكذا كانت قصة الملك المؤسس الشهيد عبدالله الأول ابن الحسين طيب الله ثراه، الذي تماهى عنده الحد بين الموت والحياة، فبذل كل شيء لرفعة شعبه، يستقبلهم ويسمع اليهم ويحنو عليهم حنو الأب على أبنائه حتى استقر في سويداء قلوبهم وفي مأقي عيونهم وصار لهم هوى وحباً لا يطاق، تحركت مكامن الشر عند الظلمة المجرمين فشحذوا مداهم، واخذوا يعملون في غفلة من الزمن، وتحت جنح الظلام كالخفافيش ليفجعوا وليزيلوا بهجة النفوس.

كان المغفور له الملك الشهيد لا يحلو له إلا أن يكون في احضان القدس يتبرك في اجوائها الروحانية، ولم تثنيه عن السفر إليها والصلاة في رحابها نصائح المحبين الذين يخشون عليه من غدر الغادرين، فسار إليها ناوياً الصلاة فيها ليقضي ليلة الخميس في 19 تموز ويصبح فيها مستقبلاً الجمعة ليلتئم شمل المصلين هناك يتفقدهم ويتفقد الأهالي فيها سائلاً عن حاجاتهم بعيداً عن الحواجز والحراسات، كان رحمه الله يصر ألا يحبسه الحرس عن أبناء شعبه ويرفض كل تشديد من الحراسة مؤمناً بقدره، حتى اذا خطأ الى داخل مسجده استقبلته رصاصات غادرة دبرت من أعداء الأنسانية والشرف، فأسقطته على تلك الرحاب الطاهرة التى أحب، شهيداً ليؤدي صلاته الأبدية هنالك، وبفقده فقدت الأمتان العربية الأسلامية واحداً من أبرز المدافعين عن وجودها وحضارتها وقيمها، فحق لأبناء أمته من أقصاها الى اقصاها أن يعلنوا الحداد وان تبكيه القلوب قبل العيون تبكيه دماً لادموعاً.

ومما كان يعز بالنفس أن مؤامرة دنيئة أودت بحياة هذا الرجل العظيم جند لها الأشرار أحد ضعاف النفوس واسمه (مصطفى شكري) الذي كان مجرد أداة منفذة خيل له دافعوه أنهم سيحققوا له حياة مشرقة فكان مصيره كمصير أي قاتل تحول لجثة هامدة في الحال غير مأسوف عليه، أما دافعوه فقد طاردتهم اللعنة فلقوا القصاص العادل في الدنيا وسيلاقون مصيرهم في الآخرة.

لقد أعلن الحداد الرسمي، ورثاه أبناء شعبه وكل الشخصيات من عرب ومسلمين وأجانب، ذاكرين أعماله الجليلة وجرت له مراسيم تنشيع مهيبة بتاريخ 23 تموز1951م وبقى رمزاً للشهادة والبطولة والدفاع عن المثل.

وعوض الله الأمة والوطن خيراً بأعقابه الميامين الذين ساروا على طريقه متمسكين بقوله تعالى ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) صدق الله العظيم

نعم ملك مجاهد، عالم، أديب وشاعر، لقد عرفنا عنه طهر سيرته وكريم سجيته مما يجعلنا وبلاتردد على المبالغة في مدحه وإجلال ذكره وأكثارحمده وتتزاحم أمامنا الصورالكثيرة التي تنطق بشفافية نفسه وطواعية الكلمة للسانه ورجاحة عقله ودرايته المبصرة في حل النزاع وإشاعة المحبة والوفاء بدل الضغينة والكيد والحكايات التى نعرفها (وهي كثيرة في بطون الكتب وخاصة في الآثار الكامنة في مذكراته وكتاب رجالات مع الملك عبدالله) كلها تنم عن سجاياه، فكان ورعاً لأبعد حد، مستقيماً جعل معنى الاستقامة من ذاته، عازفاً عن امور الدنيا وترهاتها، لم يسع لجمع المال ولا اقتنى الرياش وافخر الثياب، ولاتزاحمت على مائدته أنواع الأطعمة النادرة الفاخرة، كان بسيطاً في حياته، بدوياً نقياً في طباعه، عالماً في مجالسه، أباً رحيماً لأفراد شعبه شيخاً وقوراً بين عشائر البادية المترامية، فارساً مغواراً اذا امتطى صهوة الجواد، طاهر القلب، نقى السيرة، يعفو عمن أساء ويصفح عمن يخطئ ويداوي الجراح بيده الرحيمة، ويمر على النفس الحزينة والفؤاد المكلوم.

هذا هو عبدالله الأول ابن الحسين، قائد من قادة الثورة العربية الكبرى وأميراً على شرق الأردن، وملكاً على المملكة الأردنية الهاشمية.

عاش شهيداً، ومات شهيداً، ودمه في حرم الأقصى وما زال ينطق بالوطنية، والقومية الصادقة والقيادة الرشيدة والسياسة الحكيمة والأيمان والورع التقي، وسيظل، وهكذا هم آل البيت الأطهار آل هاشم الغر الميامين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.