استخدمت القيادة الأردنية بدبلوماسيتها الهادئة والمتزنة التي قادها جلالة الملك شخصيا تكتيكا سياسيا وأمنيا عالي المستوى في قضية الصراع السوري، فحافظ بذلك على أمننا الحدودي وجنب جيشنا دخول حرب أراد البعض ان يفرضها علينا منذ سنوات لغايات بنفس يعقوب، كما أعاد فتح جسور الثقة بينه وبين النظام السوري الشرعي، الامر الذي أدى الى بسط سيطرته المطلقة على الحدود وبخاصة معبر نصيب الحدودي مع الأردن، وإبعاد الجماعات المسلحة عنها، فحقق للأردن مصلحة كبيرة من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، لسببين:
الاول: إن سيطرة النظام على معبر نصيب الحدودي لأول مرة منذ سبع سنين والذي كان يشكل للاردن بوابة اقتصادية مهمة، سيعود بالنفع على الميزان التجاري الأردني الذي تضرر كثيرا جراء اغلاقه بسبب الحرب، والذي قدرت خسائره سنويا بحوالي 600 مليون دينار، كما ان فتح الحدود سيجعل الاردن مركزا مهما لإعادة الاعمار في سوريا الأمر الذي سيساعد في تعزيز نمو الاقتصاد الأردني.
الثاني: أن سيطرة النظام على الحدود وفتح باب المصالحة مع شعبه سيؤدي إلى عودة الكثير من اللاجئين في الأردن والبالغ تعدادهم قرابة مليون ونصف إلى مناطقهم في سوريا، مما سيخفف من معدل التضخم الاقتصادي الذي كان احد اسبابه الضغط على موارد الخزينة وزيادة الطلب على المساكن والذي أصبح يشكل أمرا مقلقا للشعب الاردني وبخاصة فئة الشباب بسبب ارتفاع تكاليف الايجار، كما سيؤدي الى تحقيق الأمن الوطني واستتبابه على الحدود بإعادة الهدوء اليها وإبعاد شبح الارهابيين عنها.
نقول لمن ركب موجة الإنسانية بإن إغلاق حدودنا أمام موجات اللاجئين كان أمرا صائبا، رغم أنه لم يكن بالامر الهين على الإطلاق على القيادة الاردنية، ولكنها خطوة كان لا بد منها لما تحمله من مخاطر وتأثيرات كبيرة على النواحي الامنية الاقتصادية والاجتماعية للاردن.
فاعتلاء المنابر وإطلاق التصريحات والقاء الاتهامات والتشكيك بالمواقف الاردنية حيال تلك القضية، هو امر مخجل ويحمل في طياته على اصحابها علامات استفهام كثيرة.
فلم يعد من المناسب على الإطلاق أن يبقى الأمر في الاردن تحت مظلة التشكيك في كل محاولة يحاول فيها البحث عن ذاته ومصالحه والوقوف على قدميه.
فإغلاق الحدود أغلق الأبواب بوجه المتربصين وأرباب الفتن وقطع الطريق عليهم لمنعهم من استغلال تلك الاحداث لزعزعة امننا الداخلي.
فالأردن حين قرر إغلاق حدوده أمام موجات اللاجئين، لم يكن ذلك من باب المناكفة او تضييق الخناق على الأشقاء كما يتوهم اصحاب شعارات الإنسانية،بل هو قرار استراتيجي مهم لحماية أمنه، إلا أنه رغم ذلك لم يخلع ثوبه الإنساني الذي بقي مشرعا بممارساته الإنسانية العملية على أرض الواقع بعلاج المرضى واعادتهم لبلادهم وأدخال كل مستلزمات العيش للاجئين في مناطقهم، متحديا أزيز الرصاص وانفجار الصواريخ فوق ارضه وعلى مقربة من جيشه.
فالقيادة الأردنية بحنكتها سعت منذ انطلاقة الحرب في سوريا عام 2011 والى اليوم تجنيب الأردن إراقة الدماء، رافضة زج جيشها في حرب لا ناقة له بها ولا جمل، فحافظ الملك على قدرات جيشه وشعبه وحدوده رغم تعرضه لكل انواع الإغراءات المالية والضغوطات السياسية التي كانت تسعى لجر الأردن الى هذه الحرب، فحافظ على وطنه وأبقى على علاقاته الودية مع كل الاشقاء والاصدقاء بحياديته دون تمييز.
فأمن الأردن أهم بكثير من نفاق البعض السياسي الذين تخندقوا خلف، الروابط الاجتماعية والاقتصادية والدينية بين سكان البلدين، تلك الاسطوانة المشروخة التي عزفوا على لحنها مطولا، لأنها لا تساوي خسارة حياة أردني واحد لا قدر الله.
اعتقد بأن الأردن بفضل قيادته ويقظة جيشه ومهنية أمنه تجاوز تلك الأزمة التي ابتعدت قليلا عن حدودنا إلا أن خطورتها لا تزال قائمة.
فالازمة السورية لم يعد تاثيرها سياسيا وإنسانيا علينا فقط كما يرى البعض، بل تعدى تأثيرها ذلك وأصبحت تشكل عبئا كبيرا علينا وعلى الشأن الأردني من كل الجوانب، فأنهكت اقتصادنا وضغطت على مواردنا واستباحت مقدراتنا ،وفتحت أعين الأردنيين على خطورة البعد الانساني، الذي أصبح مدار حديث في الشارع الاردني بشكل يومي.
شكرا جزيلا لكل أجهزتنا الأمنية والعسكرية التي تعاملت مع حرب درعا وقضية إغلاق الحدود وحمايتها من الإختراق بمهنية عالية وحرفية متميزة، فحافظنا على حدودنا واكتسبنا احترام غيرنا، وتوحدت صفوفنا خلف قيادتنا وهذا اكبر مكسب للأزمة الأخيرة على حدودنا مع سوريا.