كتاب

مأزق" اللا مركزية "

بقيت التنمية غير المتوازنة، أو كما يمكن أن توصف بالعرجاء، أحدى المشكلات الرئيسية لدى الحديث عن التفاوت في الفرص الاقتصادية بين العاصمة وبقية المحافظات، وهي ظاهرة لا تنفرد بها الأردن، ولكنها ظاهرة ترتبط بالدول النامية بشكل عام، وتكتسب في الدول العربية أثراً كبيراً للغاية، ويمكن أن نضرب مثلاً تونس والقاهرة فالأولى تضم أكثر من 23% من مجموع السكان للجمهورية التونسية، والقاهرة يسكنها أكثر من 20% من إجمالي السكان في مصر، بينما لا تشكل برلين أكثر من 5% من مجموع سكان ألمانيا، وحتى المدن الأوروبية الكبيرة فإنها لا تصل إلى حدود الخمس من السكان في مدينة واحدة بالنسبة لسكان البلاد بشكل عام. تشكل عمان حالة متطرفة عربياً وعالمياً فنسبة سكانها إلى إجمالي المملكة تشكل 40%، وهو الأمر الذي يجعل المعادلة من حيث المبدأ تشهد اختلالاً جوهرياً، وبالتالي فإن حديثاً عن اللا مركزية يجب أن يضع في اعتباره أساليب وأنماطا إدارية تركزت في الأردن، فمثلاً تشكل هيكلية الطرقات والمواصلات بصورة أساسية روافد للعاصمة تربطها بغيرها من المدن، بينما لا تحظى الطرق بين المحافظات وبعضها بنفس الاهتمام وهو الأمر الذي لا يدعم التجارة الداخلية ولا فرص التكامل الاقتصادي. ربما تشكل الاعتمادية على عمان تكلفة إضافية في مساقات التجارة الداخلية، فالمركز بالعاصمة يضاف على قنوات التوزيع بصورة ربما تحتاج مراجعة شاملة، وتركز المشاريع وبالتالي الفرص الاقتصادية وشواغر العمل في عمان يصبح مسألة قائمة على توفر البنية التحتية في العاصمة، ودورها كوسيط بين المحافظات بشكل عام يستلزم المرور به وينفي فضيلة الطرق المختصرة. الحديث عن المحافظات ومشكلاتها مع وجود تباطؤ ملحوظ في مشروع اللامركزية الذي يشهد تعويلاً كبيراً من الدولة الأردنية في الإطار النظري، بينما يصطدم عملياً بكثير من المعوقات، يستلزم أيضاً قدراً من التجرد عند الحديث حول استجابة المحافظات للمشاريع التنموية، فنموذج جامعة اليرموك التي أدت إلى انتعاش واسع في اربد لم تتمكن من إعادته بنفس الدرجة جامعة مؤتة في الكرك، ولا الجامعات في الطفيلة ومعان. هذه النقطة لا تنفي الحاجة إلى اللا مركزية، وعلى العكس من ذلك، فهي تؤكد أن هذه المنهجية ضرورية، لأن تحديد الأولويات سيكون ناتجاً من المجتمعات المحلية ذاتها، إلا أن المشكلة تتمثل في أن الوصول إلى النضج في التعامل مع اللامركزية لا يمكن أن يتحقق من خلال المجالس المنتخبة حديثاً، وربما لا يمكن أن نصله إلا بعد عقد من الزمن على الأقل لو توفرت كل وسائل الدعم. ما سيحدث أن كل محافظة ستحاول إعادة إنتاج عمان بصورة مصغرة، وهو الأمر الذي سيتكلف أموالاً طائلة لا يمكن تغطيتها من الموارد المركزية أو موارد المحافظات، ولذلك، فإن شعوراً من الصدمة والإحباط سيعتري القائمين على تطبيق اللامركزية، وهو ما بدأت معالمه في الظهور، وبحيث باتت تشكل عاملاً لتشجيع تفكيك المشروع والعودة عنه، أو إدخال الإرباك على المنظومة السياسية وهي التي لا تحتاج مزيداً من الإرباك، فمن المعروف أن اللامركزية كان من أحد أهدافها العمل على إتاحة المجال لمجلس النواب أن يعمل على المستوى الوطني وأن يتفرغ لأدواره التشريعية والرقابية بعيداً عن استهلاكه في الخدمات التي تقدم لأبناء الدوائر الانتخابية وذلك من أجل حسابات انتخابية، وبما يجعل النائب مرتهناً للحكومة وما تقدمه من مزايا لمنطقته الانتخابية، ويجعل النائب في علاقة مرهقة مع الجهاز الحكومي تعرقل التشريع والرقابة، وفي مرحلة لاحقة الخدمات نفسها. المشكلة الأساسية ليست في القانون، وحتى لو كانت في القانون، فإن أحداً لا يطمح بأن يكون القانون الذي يدشن تجربة جديدة مكتملاً ويغطي جميع جوانب الأسئلة والاحتمالات، والمفترض أن مشروعاً بهذا الحجم بما يتعلق به من طموحات وآمال أن يكون تحت متابعة مستمرة وإجراءات تصحيحية تتخذ بصورة عاجلة أو على الأقل لإدارة تتسم بالمرونة وتستطيع أن تتعامل مع التحديات التي تنتجها تجربة اللامركزية أولاً بأول. أين تكمن المشكلة؟ السياق العام بتفاصيله السياسية والاقتصادية لم يكن مواتياً للدخول بمشروع بهذا الحجم، ويزيد بالطبع من صعوبات التطبيق والتحدي الأساسي هو ألا يتحول المشهد إلى التساؤل حول جدوى المشروع لأنه مشروع على قدر كبير من الجدوى في حال الوصول إلى مرحلة الاستقرار، وهو ما أكدته الحكومة في بيانها المطروح للحصول على الثقة في موقعين يتحدث الأول عن الخارطة الاستثمارية، والآخر عن تقييم شامل للمشروع بشكل عام. أين يمكن البحث عن الحلول؟ تركت الحكومة الأعضاء المنتخبين في المناطق يحاربون على العديد من الجبهات داخل المحافظة وفي العلاقات بين المحافظة والأجهزة المركزية، وكثير منهم شباب واعدون ومتحمسون يحتاجون المزيد من التأهيل خاصة وأنهم لم يخرجوا من روافع سياسية أو إدارية مناسبة، ويبقى الحماس الذي يشكل واحداً من عوامل النجاح فخاً كبيراً للفشل لأنه ينحى بالمشاركين في التجربة إلى الذاتية والبحث عن المنجزات والمكتسبات السريعة على حساب الموضوعية والبحث عن أسس واضحة لاستكمال الطريق الصعب والمعقد.