تعبت.. تعبت ، كان المشوار بعيدا ، لم يعد من العمر والقدرة ما يشجّع على المكابرة ، اوقفت السيارة الى جانب الطريق في ظل شجرة لقسط من الراحة ، كانت فيروز تغني وتسأل حبيبها بصوتها الذي يعيد الروح والحلم والأمل: « لوين رايحين « ؟
الحقيقة لا احد يستطيع ان يجيب على هذا السؤال ، لا على الصعيد المحلي ، ولا الأقليمي ، ولا الدولي ، فالعالم مضطرب والتحديات كبرى والأيام حبلى ، قد تحمل ما هو اسوا. في تلك اللحظة القلقة كنت احاول اقتطاع برهة من الوقت للراحة والاسترخاء ، ولكن لم انجح في الحصول على غفوة قصيرة بسبب هدير السيارات العابرة.
قررت ان امضي بعض الوقت بقراءة الصحيفة التي كانت بحوزتي ، فانا من الذين ما زالوا يستمتعون بقراءة الصحيفة الورقية ، وأعتقد انني من جيل في طريقه الى الانقراض في خضم هذه الثورة التكنولوجية المجنونة ، اي اننا سنكون آخر القراء وليس آخر الفرسان ، لأن الساحة العربية خلت تماما من فرسان النخوة والشهامة والشجاعة ، في زمن العبودية المشتهاة.
قرأت بعض المقالات والتحليلات والتقارير السياسية والأقتصادية ، خصوصا ما كتب حول ضريبة الدخل وبعضها يحاول تبرير موقف الحكومة وبحثها عن الثروة والسعادة في جيب المواطن ، والبعض الآخر ينتقد تعديل القانون دون تقديم حلول بديلة ، ولكن من منطلق القلق والخوف من الآثار الجانبية على واقعنا الأجتماعي خصوصا الخلل الذي سيصيب الطبقتين الوسطى والفقيرة.
ما لفت نظري ايضا ، ويستحق التوقف والتفكير والتساؤل ، كثرة الأعلانات المنشورة في الصحيفة ، وهنا لا اعني الاعلانات التجارية ، بل اعلانات التبليغ القضائي والرهونات والبيع بالمزاد التي تنشرها المحاكم المختصة ، وهذا يعني ان هناك مشكلة مالية اقتصادية لها آثارها الأجتماعية التي تستحق البحث والمتابعة.
الحقيقة انني اتخوف من الخوض في القضايا الاقتصادية لعدم الاختصاص ، ولأن الكتابة في الأقتصاد ومشكلاته وازماته ونظرياته وقوانينه ، تحتاج الى الخبرة والدراسة والمتابعة ، ولكن هذا لا يمنعني من السؤال بهدف المعرفة لأنني من المؤمنين بنظرية ديكارت التي تقول :» السؤال يقود الى الشك ، والشك يقود الى اليقين « ، خصوصا انني قرات نظرية آدم سميث مؤسس الأقتصاد الكلاسيكي ، وهي نظرية ترتكز على غريزة التملك والمبادرة الفردية ، والمنافسة ، وحرية التجارة ، من أجل الحصول على اكبر قدرممكن من الثروة والسعادة حسب اعتقاده.
ولكن الأهم باعتقادي هو ما ورد في مقدمة ابن خلدون الذي لم يترك شاردة او واردة في شأن الدولة والسلطة الا وعالجها وأوضح براهينها باسهاب ، خصوصا عن الدول التي عاشت حالات من الكثرة والقلة ، وشهدت تقلبات في ماضيها وحاضرها وواقعها المنتظر ، وتوقعاته حول انعكاسات ذلك على مستقبلها ، واعتقد أن ابن خلدون كتب بالتفصيل حول العمران والنهوض الأقتصادي ، كما حول الأزمات والحاجة الى فرض الضرائب وألآثار الجتماعية والسياسية التي تنشأ عن مثل هذه الأجراءات.
لذلك اريد طرح بعض الأسئلة والتساؤلات للمنظرين ولأصحاب الاختصاص ، في محاولة للفهم: ما مدى تاثيرتعديل قانون على ما بقي من الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة التي بدأت تتوسع ؟!
اريد اجوبة مقنعة ، لأنني اعرف ما معنى طرح نظرية الاعتماد على النفس ، وهي نتيجة اجبارية لحصار اقتصادي غير معلن على الأردن ، يتم التلميح اليه بخجل وتردد ، رغم تلاشي المساعدات والقروض والهبات التي كانت تردنا من دول شقيقة مقتدرة ولكنها تتردد ألآن لأسباب سياسية ضاغطة تتعلق بالتطورات الآنية في المنطقة.
الأمر الآخر يتعلق بالضغوط التي تواجهها الطبقة الوسطى والفقيرة. عندما تم رفع اسعار العديد من السلع والحاجيات اليومية الضرورية للمواطن هبط جزء واسع من الطبقة الوسطى الى ما دونها ، ثم جاء قانون الضريبة الجديد ليلامس واقع ومصالح ما بقي من هذه الطبقة ليهبط بها الى ادنى ، لأن خط الفقر ، بارتفاع الأسعار ، قفز الى شريحة الألف دينار على ما اعتقد ، لذلك ارى أن على الحكومة ان تبحث عن الثروة والسعادة والعدالة في مواقعها الحقيقية ، وفي زيادة المشروعات الانتاجية وجذب الاستثمارات بشروط جاذبة حقيقية وتوزيع الثروة بعدالة.