وقف مهاجر بولندي على شرفة بلدية تل ابيب في مثل هذا اليوم من العام 1948، واعلن قيام « دولة اسرائيل «. هذا المهاجرالذي حصل على الجنسية الفلسطينية فور وصوله الى بلادنا في الهجرة الثانية اسمه ديفيد غرين الذي أخذ اسما يهوديا هو « بن غوريون» ليصبح اول رئيس حكومة مؤقتة للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
صباح هذا اليوم استيقظت على رائحة النكبة الأولى ، ابحث في القلب والذاكرة عن طفولة نسيتها او تناسيتها ، الا أن الحنين يحملني اليها ، حيث أول شهقة واول صرخة واول النشيد. اليوم ضيق وحزين يحمل الينا اخبارا أكثر سوادا حول نكبة اخرى تلحق بالقدس التي وهبها الله هذا المجد والتاريخ المقدس.
قبل سبعين عاما حدثت نكبة جيلنا ، ولكنها لم تكن آخر الهزائم العربية ، كما لم تحقق النصر الكامل النهائي للكيان الصهيوني. هم يحتفلون بالنصر ، ونحن لانعترف بالهزيمة ، وهذه مشكلتهم وعقدتهم وازمتهم ، فالشعب الفلسطيني ما زال يقاوم ، وروح الأمة لم ولن تنكسر، وهذا يعني عدم حصول الاسرائيليين على الأمن والسلام في المنطقة ، رغم حياد الجغرافيا وصمت النظام العربي في هذا الشمول الرمادي الحاضر الأقرب الى الموت.
بعد سبعين عاما ، استيقظ الاسرائيلي في صباح هذا اليوم على دبيب احذية الجنود وقرقعة بنادقهم وهم يطاردون اطفال الحجارة في الشوارع والأزقة فيدرك ان لهذه الأرض اصحابها ، وانها ليست «الدولة اليهودية « التي وعدته بها الحركة الصهيونية بدعم من الأستعمارالقديم ( بريطانيا ) والجديد ( اميركا ) ، فرحتهم لم ولن تتم ابدا.
في صباح هذا اليوم ، رغم الاحتفالات الصهيونية المبالغ فيها ، سيدرك الاسرائيليون أن الفلسطينيين يعرفون وطنهم ولكنهم يطالبون بالدولة ، وان المستوطنين الاسرائيليين لهم دولة ولكنهم يبحثون عن وطن ، وهذه الحقيقة تقودهم الى مأزقهم الوجودي ، وهو المأزق الذي يجعل قادتهم من المتطرفين القادمين من رحم الخرافة والتاريخ المهزوم يخرجون من حرب ليدخلوا في اخرى الى ما لانهاية.
قضية فلسطين ليست ثوبا مطرزا أو رقصة دبكة أو أكلة مسخن ، انهار قضية شعب وارض ، هي قضية قومية عربية ، والقضايا القومية الكبرى لا تحلها الخطب أوالتخلي عن الخيارات الأخرى ، واذكر هنا أن السياسي الكبير المرحوم عبدالله الريماوي قال لي خلال لقاء معه في العام 1977أن قضية فلسطين يجب ان تبقى في اطارها القومي ، وان قرار الرباط اراح الأنظمة ومنحها البراءة ، وسيكون لهذا القرار تداعياته ونتائجه الكارثية على القضية الفلسطينية في المستقبل القريب ، وستتذكر في ذلك الوقت ما قلته لك الآن.
وبمناسبة ذكر قرار الرباط ، ارى أن اتفاقية اوسلو ايضا بنتائجها السلبية اخرجت اسرائيل من عزلتها وفتحت امامها ابواب الأفق الدولي بلا ثمن ، فهم اخذوا الأرض واعطونا الحق ، واقصد حق المطالبة والتفاوض فحسب ، فهم لم ولن يسمحوا باقامة الدولة ، ونحن نعرف ان الحق بلا قوة يتحول الى وهم ، ولكن هذا لا يعني أن الأمور انتهت ، لأن اسرائيل التي رفضت حل الدولتين كما رفضت وترفض حل الدولة الواحدة ليس لديها أي حل معقول ومقبول ، لذلك ارى قادتها يصنعون ازماتهم باستمرار ، وستكون مشكلة اسرائيل أن قادتها من المتشددين الأغبياء يثقون بانفسهم لدرجة المبالغة والإفراط.
هم يراهنون على الزمن وكسب الوقت والضغط الأميركي ، لأنهاء الصراع العربي الاسرائيلي ، ويتلاعبون بحركة التاريخ في الوضع الراهن المؤقت في ظل نظام عربي ضعيف متهالك ، روّض الواقع احلامه ، مع اسفاف في اللغة السياسية والتعبير ، والسعي الى الحماية الخارجية مقابل تقديم القدس ( عروس العروبة ) قربانا على مذبح صراع البقاء والنجاة ، وهم يعرفون أن في اميركا من الحماية والعبودية ما يكفي الجميع ، ولكن بكلفة عالية قد تشمل كل الثروات العربية وبيت المقدس !!
بالمقابل ، وفي هذا اليوم الأكثر حزنا وسوادا ، لا اشعر بالتشاؤم ، لأن التشاؤم لا يصنع نصرا ، ولأن لدى الشعب الفلسطيني في الداخل من الصبر والصمود والأمل والقدرة على التضحية ما يقاوم الاحتلال ويخاطب الواقع العربي والاقليمي والدولي ، ويحرك المشترك في هذه الأمة ، ويعيد لها موقفها وهويتها ولغتها ، والتمسك بثوابتها وخياراتها وحقها ، بعدما سقطت النظرية التي تقول أن الدم هزم السيف ، والكف يقاوم المخرز ، لندع الرهان على الزمن ، والأجيال المقاومة ، التي ما زالت تدق جدار الخزان في الطريق الى فلسطين التاريخية.