في الساعة الثانية من ظهر يوم الثلاثاء الماضي بتوقيت واشنطن حبس العالم انفاسه ووقف على رجل واحدة على حافة الهاوية، بعدما بلغ التوتر الدولي ذروته، وارتجف السلم العالمي بشكل غير مسبوق، خوفا من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة كبرى في المنطقة، ملازمة لاعلان الرئيس ترمب قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي وفرض اقصى العقوبات الأقتصادية على ايران، وتحذيّره لدول العالم والشركات الكبرى من خطر التعامل مع طهران لأنه سيعاقب كل من تسوّل له نفسه مجرد التفكير بالاقدام على مثل هذه الخطوة.
ولكن حدث ما لم يكن في حسابات ترمب، فعندما انهى كلمته الأخيرة اطلت علينا مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني مباشرة، ظهرت مكفهرة الوجه عاتبة غاضبة، فاعلنت بكل جدية ان الاتحاد الأوروبي ملتزم بالاتفاق النووي مع ايران، وناشدت حكومة وشعب ايران بعدم السماح لأي طرف بتخريب الاتفاق، هذا الموقف الحازم جاء بعد الموقف المعلن سلفا من بريطانيا وفرنسا والمانيا وروسيا والصين واليابان والأمين العام للأمم المتحدة، وهي ردود جاءت مخيبة لآمال الرئيس الأميركي واهدافه.
هذه اللهجة الدولية المرتدة، بحجمها وقوة اندفاعها، اضافة الى الرد الايراني الذي اعلنه الرئيس حسن روحاني، مؤكدا التزام ايران بالاتفاق، كلها صبت في طاحونة التهدئة، ونجح العالم العاقل في نزع فتيل الانفجار الكبير الذي كان يهدد المنطقة والأمن الدولي. لكن هذا لا يعني ان الأمور في المنطقة والساحة الدولية صارت عال العال، لأن واشنطن لن تتوقف عند هذا الحد وستواصل التصعيد في غياب الحكمة والعقلانية، لأن الرئيس احاط نفسه بحلقة من المحافظين المتطرفين شكلوا « فرقة كورس» تنشد له ما يطربه.
كذلك طهران وعدت بالتريث للمراقبة والمتابعة بانتظار تداعيات واثار ونتائج الأجراءات الأميركية على الوضع الأمني والاقتصادي والمالي في ايران، ومدى تأثيرها على حياة المواطن ورفاهيته، كما ينتظر الايرانيون نتائج الحراك السياسي والدبلوماسي للدول الحليفة والصديقة والأخرى التي رفضت الانصياع للقرار الأميركي وتمسكت بالاتفاق، وبالتالي تريد طهران معرفة نهاية الطريق لاتخاذ القرارات التي وعدت بها شعبها.
رغم كل هذه التطورات، اعتقد أن الرئيس ترمب لم يرد اشعال حرب أميركية ايرانية مباشرة، أو غزو ايران على غرار ما حدث في العراق، ولكنه يدرك تماما ان لدى ايران مشروعها ، وتعمل على توسيع نفوذها ومجالها الحيوي الاقليمي، وهو يريد عرقلة هذا المشروع وتحجيم النفوذ الايراني ودورها السياسي في المنطقة، ولا أحد يستطيع التكهن بردرود فعله حتى الآن.
المعروف أن الرئيس الأميركي فردي القرار ، لا يملك خيالا سياسيا، بل هو لا يستطيع التمييز بين الواقع الممكن والمتخيل المستحيل، كما لا يملك القدرة على ادارة الأزمات اوالخبرة في احتوائها وتجاوزها بنجاح، لذلك منذ قدومه وهو يخلق حالة من التوتر الدائم، ليس على صعيد الشرق الأوسط بل على الصعيد العالمي.
في خضم هذا الارتباك داخل الأدارة الأميركية، وجد رئيس الحكومة الأسرائيلية اليمينية المتطرفة فرصته التاريخية للتلاعب بالقرار الأميركي ، وجر واشنطن الى الانحراف أكثر في سياستها الخارجية. لذلك ذهب ترمب في خطابه الأخير الى أقصى حد من التشدد الذي يرغب به نتنياهو ضد ايران ومن يحالفها او يتعاون معها، لدرجة ان البعض اعتقد لوهلة ان نتنياهو هو من كتب الخطاب، أو هو الملقن، لأن ترمب تحدث للعالم بلسان نتنياهو وردد اكاذيبه. رغم ذلك أعتقد ان نتنياهو يريد ما هو أكثر من الكلمات والقرارات والأجراءات، فهو يسعى الى جر واشنطن الى مواجهة عسكرية مع ايران واضعاف قدرتها العسكرية، أي انه من عشاق ( الآكشن )، لذلك رحب بالقرارات الأميركية، واعلن حالة التاهب داخل الجيش الأسرائيلي وطلب من المستوطنين في الجولان الدخول الى الملاجئ، ثم اطلق صواريخه باتجاه دمشق، ولكنها اسقطت في الكسوة في الريف الجنوبي.
اعتقد ان صواريخ اسرائيل كانت تحمل رسالتين، الأولى موجهة الى ترمب لتخبره بأن خطوته ليست كافية وتطالبه بعمل عسكري، والرسالة الثانية موجهة الى ايران وسوريا وحزب الله، وربما روسيا ايضا، أن اسرائيل ما زالت تملك زمام المبادرة العسكرية في المنطقة، ولكن قد يكون سلوكها سببه الخوف والقلق والرعب أيضا. في النهاية نكرر العبارة الحتمية التي تفيد أن الأبواب ما زالت مفتوحة امام كل الاحتمالات.