كتاب

التغيير و هيمنة السياسة في النقابات

الخسارة لليمين الاسلامي في مجلس نقابة المهندسين مقابل فوز تحالف من قوميين و يساريين و مستقلين هو نقل للسلطة من اليمين إلى اليسار لا أكثر و لا أقل.

استغل التيار الاسلامي حضور التدين المهني استغلالاً عميقاً في نقابة المهندسين و غيرها و استطاع أن يحكم نقابات مهنية لحزم متتالية من السنوات في بعض الأحيان و كان دافع الراكضين خلف التيار عدم ترك النقابات لقمة سائغة في فم التيارات القومية و اليسارية المنافسة كونها لا تخدم الاتجاه الديني.

في المقابل، ضعف القوميين و اليساريين كتيار في النقابات جعلهم يتكئون على اكتاف المستقلين الذين لا يعني لهم أي من الاتجاهين شيئاً باستثناء قدرة التيار-القومي اليساري على الانتظام و تجميع صفوف المستقلين في مواجهة تغول تيار ديني يحتكم إلى حضور فعّال في بؤر معينة في الشارع.

أمضى القوميون و اليساريون سنوات في الصراع السياسي مع الاسلاميين و حدث كثيراً أن ان انتزع طرف أغلبية مجالس نقابات مهنية من الآخر لكن التغيير لم يحصل و استمرار المناكفات بين الطرفين جعل العمل المهني الخاسر الوحيد.

ضياع البوصلة المهنية تتكرس في كلمة الفوز التي يلقيها عادة النقيب و التي تنتصر للمهنة في بضع كلمات أخيرة يسبقها خطبة حماسية تتحدث عن قهر الامبريالية و الصهيونية و تحرير فلسطين و نصرة العراق و سوريا و السودان و غيرها!

الجديد في الصراع أن الاسلاميين باتوا يرون أن هناك مدٌّاً علمانيّاًٌ في مواجهة نفوذهم النقابي و أن القوميين و اليساريين و المستقلين الذين يجمععهم تيار علماني مشترك -رغم أنها ليست بالضرورة الحقيقة- باتوا يصطفون لافشال مشروعهم الديني في النقابات!

مشروع ديني و مشروع قومي و مشروع يساري فيما المشروع المهني يحتضر و يتقلص لصالح نزوات سياسية لا يُفترض بها أن تستغل المنابر النقابية بل تنكفئ لتبحث عن ضالتها في أماكن أخرى كثيرة يُمكن فيها ممارسة السياسة باختلاف تياراتها و كذلك المناكفات و نصرة أنظمة متسلطة على حساب الشعوب و غيرها من المُتع.

فيما القوميون و اليساريون و المستقلون يحتفلون بتفوقهم على الاسلاميين في نقابة المهندسين، يبرز سؤال رصانة التحالف بينهم و إلى إي مدى سيغرق المد الجديد ارث ما يقارب ثلاثة عقود من تكريس للمشروع الديني في نقابة المهندسين.

أراهن على تغيير في شكل الهيمنة السياسية قد ينتهي بتفكك المتحالفين فيه لا تغيير في مشروع المهنة.

بينما يخرج التيار الديني جزئياً من نقابة المهندسين و مؤقتاً، و قبل أن تعود البوصلة إلى الوراء ضمن معادلة الكر و الفر، تبرز الحاجة لفعل قانوني يفصل السياسة عن النقابة، هل يفعلها التيار السياسي الجديد المسيطر؟ التضحية بالنفوذ السياسي في النقابات لصالح المهنة سيكون موقفاً هاماً يسجّل لمن يقود زمام المبادرة فيه!

sufwat.haddadin@gmail.com