يعيش العالم العربي جولة جديدة من الانتخابات في تونس ولبنان والعراق، وعلى الرغم من أهمية العملية الانتخابية في ترسيخ المسألة الديمقراطية، إلا أنه لا مؤشرات تدل على دخولنا أفق النظم الديمقراطية، حيث لا تزال الهويات الإثنية والعرقية والدينية والمذهبية الطائفية والفرعية تتحكم في سلوكنا واختياراتنا، وتشكل العملية الانتخابات موسما لإعادة تأكيدات الهوية الطائفية، ولا يبدو أن الديمقراطية مكون صلب في ثقافتنا ووعينا، ذلك أن مباشرة عملية التحول إلى الديمقراطية في القول والممارسة، ينبغي أن تقوم على أساس انتماءات المواطنة، تستند إلى أساس أخلاقيات الهوية والانتماء للوطن.
ثمة شبه اجماع على أن نمط الديمقراطية في معظم أرجاء العالم العربي تدخل في سياق الديمقراطية الانتخابية، حيث تعمل الانتخابات على ترسيخ الوضع القائم وتعزيز الانقسامات الهوياتية الأولية، دون التلبس بتحقيق الديمقراطية الحقيقية المتجاوزة لأفق الهويات المنغلقة المناهضة لمفهوم سيادة القانون والانتماء للوطن، فالديمقراطية تعني حكم القانون وسيادته على الحاكم والمحكوم في ظل المساواة بين مكونات المجتمع، وإذا لم تحقق المساواة والعدالة بين الجميع يتزعزع الاستقرار والأمن، فالمعادلة الديمقراطية تقوم على أركان الحرية والمساواة والعدالة.
لا جدال أن الانتخابات تمثل جانبا في البعد السياسي للديمقراطية، فممارسة الانتخابات بشكل ديمقراطي تخلق إحساسا المواطن كونه مصدر السلطات، رغم وعيه بكونها موسما عابرا لا يفضي إلى ترسيخ قيمة سياسية، وبذلك لا تشكل العملية الانتخابية وحدها ضمانة للنفاذ إلى الديمقراطية دون تحقيق شروطها والتحقق بقيمها وفلسفتها، فالمواطن الديمقراطي ينبغي أن يتمتع بأبسط حقوقه العامة وحرياته، بما فيها الحقوق السياسية والمدنية والثقافية والاجتماعية.
في لبنان انطلقت الانتخابات النيابية في السادس من مايو الماضي، عقب نحو عقد من الزمن على آخر انتخابات أُجريَت في العام 2009، وهي مرحلةٌ تخلّلتها تحوّلات كبرى في البلاد، وبحسب جوزيف باحوط يُرجَّح أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان الأكثر بهتاناً ورتابة منذ نهاية الحرب اللبنانية في العام 1990، فخلال العقد المنصرم، انحسر الانقسام الذي كان سائداً بين الفريقَين السياسيين المتخاصمين في لبنان – 8 آذار و14 آذار، بيد أن الوعود بإرساء حوكمة أكثر فاعلية لم تتحقق أبداً، فيما راح اللبنانيون يتخبّطون في مستنقع مشاكل داخلية أساسية، مثل الانقطاع المتواصل في التيار الكهربائي، وأزمة نفايات كبرى، وأوضاع اقتصادية تزداد تردّياً على نحو مُقلق.
وفي تونس انطلقت الانتخابات البلدية في السادس من مايو الماضي، وسط منافسة كبيرة تعد الأولى من نوعها منذ 7 سنوات، عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وسط ترقب من الأوساط السياسية، ومن أبرز المتنافسين في الانتخابات حركتي النهضة ونداء تونس، حيث تنافس الأولى على كافة القوائم فيما تنافس نداء تونس على 345 قائمة من أصل 350 قائمة، ورغم تجديات الانتقال الديمقراطي، تشكل تونس حالة استثناء عربي في ترسيخ حالة ديمقراطية عقب انتكاسة الربيع العربي.
في العراق اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية على المستوى الوطني في العراق المقرر إجراؤها في 12 مايو 2018، ورغم وعود قادة التحالفات الانتخابية في البلاد بتغيير طبيعة الديناميكيات السياسية في العراق في المستقبل من خلال اتباع سياسات وأجندات غير طائفية تخدم مصالح جميع المواطنين العراقيين، تشير الحقائق والظروف القائمة في العراق بصورة واضحة إلى أن الطائفية وسياسات الهوية ستظل قوى فعالة تؤثر إلى حد كبير على تشكيل السياسة الداخلية للعراق في المستقبل، حسب زمكان سليم الذي شدد على وهم تخطّي الطائفية في العراق، وفي السياق نفسه، تفتقر الفصائل الشيعية والسنية والكردية في العراق إلى إرادة والتزام جديين لوضع العراق على مسار تؤدي فيه القيم والكفاءات الديمقراطية، عوضًا عن الهوية والاعتبارات الطائفية، دورًا في تحديد مستقبل العراق السياسي، وإلى جانب الميل الواضح لضمان سيطرتهم على الحكم في العراق، يفتقر القادة السياسيون الشيعة إلى استراتيجيات طويلة الأجل ومتينة لإدارة بلد متعدد الأعراق ومتعدد الطوائف يقع في أكثر مناطق العالم تعرضًا للتقلبات.
تبدو الانتخابات في العالم العربي مناسبة لإعادة رص صفوف الهويات، وتثبيت معادلة المحاصصات الطائفية، لإسباغ شرعية شكلانية من أجل ستر عورات الأنظمة السلطوية دون تغيير جوهري يفضي إلى تحقيق الديمقراطية تحت شعارات الإصلاح والانفتاح، فقد أدركت الأنظمة السلطوية أهمية وضرورة إدخال تحسينات شكلية باستخدام الآليات الديمقراطية، وفي مقدمتها إجراء الانتخابات وإنشاء البرلمانات والسماح بتأسيس أحزاب للمعارضة، ومنح هوامش من الحرية، كل ذلك في إطار الدولة السلطوية التي تتحكم في المدخلات والمخرجات.
الانتخابات العربية على أسس هوياتية لا تمت إلى روح الديمقراطية بصلة، فمن البداهات الأولية للحداثة السياسية أن الانتخابات ليست سوى أحد مفردات النظام الديمقراطي، وهي آلية عملية تسعى إلى تتويج مسارات مركبة تطال بنية النظام السياسي وأسسه الشرعية، وتعمل في سياق كلي يقوم على تثبيت قواعد الحرية في الاختيار أمام المواطنين دون إكراهات مادية ورمزية، وتلتزم بمبدأ التداول السلمي للسلطة وعدم احتكارها بطرائق علنية أو خفية، وتسمح بقيام أحزاب سياسية تشارك بحرية في إدارة وتدبير الشأن العام بفعالية تداولية، وتوفر قوانين انتخابية عادلة تضمن سلامة إدارة العملية الانتخابية وشفافيتها وخلوها من عمليات الغش والتزوير، وأخيرا وجود سلطة قضائية مستقلة تمنع استغلال السلطة والنفوذ، فضلا عن وجود إعلام مستقل يراقب الانتهاكات ويفضح التجاوزات.
من متطلبات العملية الانتخابية أن تكون حرة ونزيهة، وأن لا تكون هناك تجاوزات من قبل القائمين على العمليات الانتخابية في فرض سلطاتهم على الانتخابات، وأن تقوم بدورها المنوط بها حسب المعايير والمواثيق الدولية، وأن تتمثل في الإطار الدستوري للنظام الديمقراطي. فمعيار قوة الانتخابات الديمقراطية، هو أن يكون للانتخابات مقاصد ووظائف وتترتب عليها مجموعة من النتائج الفعلية في نظام الحكم، وليس أن تكون هدفا في حد ذاتها حسب حسان أيو، فمعيار حرية الانتخابات الديمقراطية يتمثل في كون الانتخابات تُجرى في ظل قاعدة حكم القانون، وتتسم بالتنافسية، وتحترم الحقوق والحريات الرئيسية للمواطنين. معيار نزاهة الانتخابات الديمقراطية، يعني أن الانتخابات تتم بشكل دوري ومنتظم، وتتسم عملية إدارتها والإشراف عليها وإعلان نتائجها بالحياد السياسي والعدالة والشفافية. وعندما يكون القانون فوق الحاكم والمحكوم، تتحقق المواطنة على أساس المساواة والكرامة والعدالة.
الانتخابات العربية وروح الديمقراطية
11:15 6-5-2018
آخر تعديل :
الأحد