انشغل العالم بالقمة التاريخية بين الكوريتين ،حتى أدق التفاصيل البروتوكولية ،وكيف عبر الزعيم الشمالي « كيم جونج «الخط الفاصل بين البلدين ، واجراءات الاستقبال من قبل نظيره الجنوبي «مون جيه» ، وقرع كؤوس السلام بدل طبول الحرب، بعد أيام من إغلاق كوريا الجنوبية مكبرات صوت أجهزة الدعاية على طول الحدود ، التي كانت تبث الموسيقى الحماسية الصاخبة !
وبدا «كيم « نجما سياسيا يحظى باحترام قادة العالم ، بل كشفت القمة الوجه الآخر له ،باعتباره شخصا عاديا لطيفا ودودا يمزح ويبتسم ، بدل الصورة السوداوية التي رسمها له الاعلام الغربي كديكتاتور يجوع شعبه !
بموازاة ذلك تعقد كل عام قمم عربية دورية توصف بـ«التاريخية» ،رغم أنها تعمق الاختلافات وتنتج المزيد من الخلافات.
شخصيا شعرت بالبهجة وأنا أتابع مشهد اللقاء بين « الإخوة الأعداء»..زعيمي الكوريتين ،ذلك أن ما وصفه «كيم وجيه « بفتح صفحة جديدة بينهما ، يعني خطوة مهمة لجهة تخفيض التوتر وتحقيق السلام، وإنهاء حالة الحرب المستمرة منذ نحو 70 عاما.
ولعل الأهم في نتائج القمة بالاضافة الى الاتفاق على نزع السلاح النووي ، تأكيد الطرفين على وحدة الأمة الكورية، وربما هذه لا تروق للادارة الاميركية، التي يعنيها استمرار الانقسام والحرب الباردة بين «الإخوة الاعداء»، لأن مصالحها تقوم على تغذية التوتر في العالم ، فواشنطن التي هي سبب البلاء في حرب الكوريتين في أوائل خمسينات القرن الماضي، وتقسيم الأمة الكورية الى دولتين، معنية بنزع الاسلحة النووية لكوريا الشمالية فقط ، ولا أحد يصدق أن بيونغ يانغ ، ستتخلى مجانا عن ترسانتها النووية ل»عيون» ترمب، في القمة الاميركية الكورية الشمالية المرتقبة، بعد التهديد المتبادل باستخدام «الازرار النووية» ! لكن قراءة المعطيات السياسية ترجح أن القمة بينهما ، ستضيف لبنة جديدة الى ما حققته قمة الكوريتين.
كان من تداعيات الحرب العالمية الثانية ، تقسيم ألمانيا الى شطرين شرقي يدور في فلك الاتحاد السوفييتي، وغربي يدور في فلك الولايات المتحدة ،ونشوب حربين في فيتنام وكوريا ، بمشاركة وتدخل أميركي مباشر ، نتج عن الحربين تقسيم كوريا الى شمالية وجنوبة ،وفيتنام ايضا الى شمالية وجنوبية ، لكن « لا بد مما لا بد منه » ! فقد توحدت الأمة الفيتنامية في دولة واحدة بعد هزيمة أميركا عام 1975 ، وانهار جدار برلين وتوحدت المانيا مجددا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1989، وأظن أن الأمة الكورية في طريقها الى التوحد ، فثمة مصالح ومشاعر ولغة واحدة !
وقعت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، بين فرنسا وبريطانيا بمصادقة روسيا ، لاقتسام الدول العربية الواقعة شرقي المتوسط « الهلال الخصيب» ،بين فرنسا وبريطانيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، وقد حرصت الانظمة العربية التي انتجتها حقبة الاستعمار الغربي ،على تكريس حالة الانقسام والتشتت وساهم ذلك بضياع فلسطين، وكان من المفارقات المضحكة ،أن بريطانيا رعت إنشاء الجامعة العربية التي تكرس عمليا استمرار التشرذم العربي !
كل أمم الأرض تتصالح مع نفسها رغم ما وقع بينها من حروب ، فقد سقط في الحرب الكورية نحو مليوني شخص ! أما الحرب الفيتنامية التي استمرت نحو 19 عاما ، فقد قتل فيها أكثر من ثلاثة ملايين شخص ، بما في ذلك «58 « ألف أميركي ! وقد خسرت أوروبا عشرات الملايين من الضحايا ، خلال الحربين العالميتين ، لكنها طوت هذه الصفحة وأقامت علاقات تعاون وتكامل في إطار الاتحاد الأوروبي ، رغم تعدد القوميات واللغات ، لكن العرب وحدهم ينفردون بالاصرار على الانقسام والاقتتال ،وينبشون في إرثهم أسوأ ما فيه من حقد وغريزة الثأر !.. لا أصدق أن ذلك يتعلق بالجينات ؟ لكن الأمة مبتلاة !