في عالم يعج برايات الحروب الملطخة بالدماء والأشلاء، وهتافات التخوين والتكفير تصدح من كل حدب وصوب، أصبحنا نخشى من التهم المعدة مسبقا والجاهزة سلفا، وقد فقدنا أدبيات لغة الحوار والقدرة على التخاطب وتلاقح الأفكار، وغدونا غير قادرين على التحاور في جل جزئيات الحياة، فالمعسكرات السياسية انقسمت وأخذت تطيح بالأيديولوجيا الوسطية في سعي لاهث نحو أحادية القطب، واقتصاديا الطبقة الوسطى في طريقها للاندثار تحت وطأة الفقر المدقع أو الثراء الفاحش، والشرائح المثقفة لم تعد قادرة على استيعاب التنوع الفكري الثقافي، أو تقبل الفكر المغاير لها واحترام ثقافة الآخر، والمجتمع يعاني من تفكك لحمته الأسرية نتيجة التعنت والصلف الفكري على مستوى الأسرة الواحدة.
أحداث العنف الأخيرة التي باتت شائعة لا في مهب الطرقات فقط، بل أيضا داخل حرم الجامعات وأسوار المدارس وبين الأصدقاء والأسر والعشائر، والأدهى في أوساط جيل الشباب الذين نعوّل عليهم في بناء الغد ومستقبل الأوطان، هذه الثقافة التي تندس بين ثنايا أفكار شبابنا تدق ناقوس الخطر وتستوجب إطلاق صافرة إنذار.
سأضع مسوّغات وأسباب ما يحدث على الساحة المحلية من شؤون وقضايا اقتصادية وسياسية سواء وطنية أو إقليمية جانبا، لأن تداعياتها وحلولها ليست منوطة بنا كشعب أو كآباء وأمهات، وسأبحث في جذور وأصول المشكلة الاجتماعية وكيفية علاجها.
الشاب الذي يخرج إلى المجتمع هو نتاج تربية هذا المجتمع وصنيعة ثقافته، يحمل معه تكوين والديه الفكري والأخلاقي، مع مزيج من العناصر المجتمعية التي تشكل في مجموعها القالب الفكري والوجداني والسلوكي له، من أصدقاء وأقران ومعلمين ومؤسسات وإعلام وممارسات يومية يتعرض لها، وجميع هذه العوامل تتفاعل مع بعضها البعض تفاعلا كيميائيا ينتج عنه هذا الشاب الذي يعكس هذه البيئة بجميع مكوناتها وعناصرها، مفرزا جيلا كاملا يحمل معه جيناته الوراثية وصفاته المكتسبة، والتي تحدد وتشكل ممارساته اليومية التي ستفرز لاحقا عادات وتقاليد وأعرافا تسم أو تصم هذا المجتمع.
إذا الخطوة الأولى تكمن في نبذ ثقافة العنف الأسري داخل الأسرة سواء في التعاطي بين الأزواج مع بعضهم البعض، أو في معاملة الآباء والأمهات مع بناتهم وأبنائهم، فالطفل يتقمص دور والديه ويتمثل دورهما بالفطرة، وتتشكل شخصيته من خلال التربية إما عبر التقليد أو بالاكتساب سواء الواعي أو غير الواعي، ذلك أن الأب والأم هما النموذج والقدوة اللذان تتمحور حولهما شخصية الطفل خلال سنواته الأولى.
ثم يـأتي دور المدرسة والنظام التربوي والتعليمي المتبع داخل الأسوار المدرسية، سواء من خلال سلوك التعامل مع الطلاب من قبل المعلمين، أو من خلال مناهج التربية والتعليم والقيم والمفاهيم التي تقوم هذه المناهج بإرسائها وتجذيرها في فكر الطلاب، كذلك قدرة المدرسة على ضبط سلوك طلابها ومدى نجاحها في تمثل قيم المحبة والتعاون والتشاركية وتقبل الآخر واحترام الاختلاف واستيعاب التنوع لدى طلابها، لا من خلال التلقين بل من خلال تقديم النموذج وتطبيق هذه القيم في البيئة المدرسية.
ثم ننتقل إلى دور مؤسساتنا الحكومية والوزارات المعنية مثل وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والشباب، وأهمية وحيوية الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسات في توجيه الرأي العام نحو تمثل قيم المحبة والتعايش والتعاون، وضرورة التفكير خارج الصندوق في فضاءات رحبة تتسع للجميع، وأولوية قبول الآخر على اختلافه عنا أو معنا، ووجوب الالتزام بالحجة والإقناع والتمسك بالدليل والبرهان والتخاطب بالعقل والمنطق، عوضا عن الهجوم السلبي على الآخر ووأد فكره واغتيال شخصه ومحاولة إيذائه والإطاحة به ورفضه جملة وتفصيلا.
في قمة الهرم العاملي يأتي عامل القانون وحرمته وهيبة الدولة وسلطتها، فالقانون يخلق الثقافة ويصنعها، وأدواته ترسي مبادئها وتنشرها، القانون يجب أن يبقى هو الفيصل في دولة المؤسسات والقانون، يحق الحق ويدحض الباطل، وينصف المظلوم والمجني عليه ويقتص من الظالم والجاني، غير مرتهن بالحق الشخصي وإمكانية التنازل عنه، وغير مشفوع بفنجان قهوة، وغير منجر وراء جاهة أو عطوة.
هذه مجرد إضاءات تضعنا أمام مسؤولياتنا كدولة وكمؤسسات وكمواطنين إذا أردنا أن نعالج الورم قبل استفحاله، والوقوف على الداء قبل استشرائه، ومعالجة العلة قبل تفاقمها، حتى لا نندم حين لا ينفع الندم، مستذكرين أننا سنترك هذا الوطن ومستقبله لأبنائنا وفلذات أكبادنا.