يلح علي سؤال كلما تم الحديث عن الوضع الاقتصادي في الأردن، وهو لماذا حين يتكلم المسؤولون عن الوضع الاقتصادي في الأردن يشيرون إلى أزمة غير تقليدية، حيث الأردن محاصر بزنار نار يمنعه من نقل بضائعه براً، وحالة الحرب المستمرة في الدول المحيطة تمنع من تسويق الأردن سياحياً واقتصادياً، ورغم هذه الحالة الاستثنائية إلا أن الحلول تأتي تقليدية أو كما يقولون (By Book)؟
ألا تستوجب الحالة الاستثنائية التفكير بحلول مختلفة عن الحلول التقليدية والاستثنائية؟
هناك أساليب مختلفة للوصول إلى الحلول الخلاقة في حل المشكلات والأزمات، أبرز هذه الأساليب هو عدم التفكير بالحل التقليدي، أي أن يتم استبعاد الحل التقليدي، وإخراجه من قائمة الخيارات المتاحة، وهو ما يساعد العقل على التفكير في حلول أخرى غير تقليدية للوصول إلى نتائج إيجابية.
الحالة الأردنية اقتصادياً تحتاج إلى حلول أردنية تتواءم مع الحالة وطبيعة الاقتصاد والمجتمع، فالاقتصاد ليس مجرد أرقام بل له انعكساته الاجتماعية وكذلك له مواءماته الاجتماعية، ومن دون ذلك فإنه سيكون علماً أصماً لا يتفاعل مع المعطيات.
في تاريخ الاقتصاد هناك العديدون الذين سجلوا أسماءهم بناء على نظرية اقتصادية تفاعلت مع معطيات الواقع الاجتماعي في الدولة التي تحاول حل إشكالياتها الاقتصادية، كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حين تبنى كل من ألفريد أرماك ولودفيغ إيرهارت نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي التي زاوجت بين نظرية السوق الحر بالإضافة إلى بعض التطبيقات الاشتراكية، وهو ما ساعد ألمانيا على النهوض مجدداً بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.
أو ما قام به البروفيسور محمد يونس في بنغلادش حين اسس بنك القرية، وهو ما اصطلح على تسميته ببنك الفقراء، حيث كان يقدم القروض الصغيرة من دون ضمانات مالية، مما ساعد الفقراء في القرى على إطلاق مشاريعهم الصغيرة، والتي ساعدت في إخراج أعداد كبيرة من حالة الفقر، وهو ما انعكس إيجابياً على الحالة الاقتصادية في بنغلادش.
وهناك حالة جمهورية إيرلندا التي تضررت كثيراً بالأزمة المالية العالمية، حيث ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من 25% إلى 400%، ولكنها استطاعت، بسبب مرونة اقتصادها بالخروج من أمتها الاقتصادية واسعادة عافيتها الاقتصادية عام 2013، أي خلال أربع سنوات، من خلال اتباع سياسة تقشفية.
في حين أن اليونان لم تستطع الخروج من أزمتها رغم اتباعها ذات السياسة الاقتصادية التي اتبعتها جمهورية إيرلندا، وذلك بسب اختلاف بنية الاقتصاد اليوناني عن بنية الاقتصاد الإيرلندي.
اليوم على صانع القرار أن يسمع وجهات نظر مختلفة للخروج من الأزمة الاقتصادية التي نمر بها، فمحاولات التصحيح الاقتصادي التي تبنتها حكومات مختلفة لم تؤت أكلها، ولا يظهر في الأفق أي مؤشر على إمكانية حدوث انقلاب في المشهد الاقتصادي الأردني.
وما يزيد الشكوك لدينا أنه ما من حكومة حية إلا وطعنت بسابقاتها وحملتها مسؤولية الوضع الاقتصادي الذي نمر به اليوم، وكأن كل حكومة تؤكد أشد مخاوف الشعب وهي أنه كان على صواب حين كان يعارض الإجراءات الاقتصادية الحكومية السابقة، لشعوره بعدم جدواها، وبالتالي فهو يرى اليوم أنه محق بشعوره بعدم جدوى الخطوات التي تتخذها الحكومة لمعالجة الوضع الاقتصادي.
من الغريب أنه لا يتم الالتفات داخل أروقة صنع القرار لما يصدر عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي، أو ما تبوح به استطلاعات الرأي المختلفة، والسؤال ما هي المؤشرات التي تؤكد أننا نسير على الطريق الصحيح، وأننا لن نسمع مستقبلاً طعناً بالرؤية الاقتصادية التي تطبقها الحكومة.
وما نسمعه يومياً عن أن الأردن تحمل تكاليف اللجوء في الأزمة السورية كلام لم يعد مقنعاً، فنحن ندرك أن ما حدث من فتح الحدود أمام اللاجئين السوريين كان بقرار حكومي أردني، وكان على صانع القرار أن يدرك أبعاده، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يجوز إنكار أن الأشقاء السوريين قد وسعوا الاقتصاد الأردني، وأنفقوا كل المساعدات التي تلقوها من المنظمات الدولية داخل الأردن، وأن الأردن تلقى العديد من المساعدات، وكان على من هم على كرسي المسؤولية التعامل الحكيم والحصيف مع هذه المعطيات، ودراستها ووضعها ضمن معادلات الحلول الاقتصادية.
على من يقودون المشهد الاقتصادي الأردني اليوم أن يتواضعوا ويسمعوا الآراء المختلفة ولا يتعصبوا ويتحصنوا خلف رأيهم، لأنهم مسؤولون عن ملايين الأردنيين، وهو ما يوجب التعامل بحكمة وتواضع للبحث عن أفكار خلاقة.