سياسي عربي عتيق قال بعد تجربته الطويلة المرة في السلطة: « احسد من لا يعلم لأنه ألأكثر راحة وسعادة « ، ولكن لو عاد هذا السياسي الى السلطة في بلاده اليوم سيصاب بشيئ من الجنون ، لأن ألأمور اصبحت اسوا وأخطر والتدهور يتواصل نحو الهاوية ، لأن من يحكم ويتحكم ، ويملك القدرة والمال والقوة ، حوّل العالم الى سيرك تقوده مجموعة من التافهين.
عندما أتابع نشرات الأخبار وتصريحات قادة دول كبرى ، ادرك أن معظمهم من رموز الرداءة الذين يحملون الشهادات العلمية ، وينتمون الى طبقة من المتعصبين من متوسطي الثقافة والأدراك والعقلانية ، اخذوا زمام المبادرة وتحكموا بطموحات الدول ومصائر الشعوب بقوة السلاح ونفوذ المال ، وهذا يذكرني بمضمون كتاب عنوانه « نظام التفاهة « لاستاذ الفلسفة والعلوم السياسية الكندي الان دونو ، وهو الواقع الذي ينسف ما توقعه تشرشل عندما قال أن امبراطوريات المستقبل هي امبراطوريات العقل.
اسمحوا لي هنا أن « أتفلسف « قليلا ، لأن المشهد الكوني الذي تشكل بهذا اللون والشكل والمضمون ، في ظل تعطيل عمل مؤسسات الشرعية الدولية وقوانينها التي اصبحت غير قابلة للتنفيذ. هذا المشهد الراهن هو نتاج عملية تاريخية تم تنفيذ مراحلها بذكاء ودراسة وصبر ، وبالتالي هو نتاج مشروع تقوده الرأسمالية المتوحشة التي قدسّت المصالح وعبادة المال والأنانية الفردية والتملك الخاص على حساب القيم الأخلاقية والأنسانية ، الى أن حوّلت الأنسان ومحيطه الى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب ، ويشمل ذلك الثقافة والمعرفة والتعليم والرياضة والفن والمهنية والأداء النمطي في ادارات مؤسسات العمل العام ، كما سخرّت العقول وتاجير الخبرات في السياسة والأقتصاد والشأن العام ، حسب ما ما يعتقده الفيلسوف الكندي الان دونو.
الرأسمالية عملت تحت عنوان برّاق ، ورفعت شعارات جاذبة للفرد واحتياجاته ومصلحته الذاتية على حساب مصلحة المجتمع ، لأن الأنسان ، حسب نظرية فرويد كائن غير اجتماعي يستجيب لغرائزه اذا لم يتم تنظيمها وكبحها ، وهذه مهمة التنظيم المجتمعي الذي يحوّل الغرائز الى سلوك حضاري من خلال تعامل الفرد مع مجتمعه ، الا أن الفيلسوف جان جاك روسو ملهم الثورة الفرنسية بافكاره ، اعتقد بأن الأنسان يولد طيبا بطبعه ولكن المجتمع هو الذي يفسده من خلال ابراز ما لديه من ميل للعدوان والانانية ، ولكن يمكن كبح هذا التدهور عبر الأمساك بزمام المعايير الأخلاقية.
هذا التدهور التدريجي في المشهد الدولي ، الذي عززه النظام العالمي الجديد الذي قادته الولايات المتحدة عبر اداراتها المتلاحقة بعد انهيار الأتحاد السوفياتي وانتصار الفكر الرأسمالي ، بدأ يتقدم نحو الأسوأ ، لأن الأدارة الأميركية الحالية تندفع الى الأمام ، مهددة السلم في مواجهة ، في محاولة يائسة لمنع ولادة عالم متعدد الأقطاب ، لذلك الأمور تتقدم نحو الأسوا اذا لم يتم وقف التدهور وكبحه بعمل مؤسسي وبتعاون دولي.
وفي محاولة لفهم المشهد أكثر ، اريد تقديم مثال على مضمون المشهد الدولي الراهن الرديء من خلال صورة شاهدتها يوم امس قد تكون ابلغ من كل الكلام ، واعني صورة تجمع الرئيس الأميركي ترمب والرئيس الفرنسي ماكرون ، مقارنة مع صورة تجمع بين الرئيس جون كنيدي والرئيس شارل ديغول في زمن بلغ فيه العالم ذروة التوتر ، هذه المقارنة تبين كيف تراجع الموقف الدولي ، ونوعية القيادة التي تتحكم بالعالم اليوم.
اعتقد انها ليست صدفة أن تسود الفوضى وينتشر العنف في العالم ، وأن تشتعل الحروب في بلادنا ، وان يصيب العالم هذه حالة من القلق والهلع والتوتر الدائم ، وان تبرز قيادات تفتقر الى الحكمة والعقلانية ، اعتقد اننا نواجه مشروعا مدروسا هدفه تخريب المجتمعات وتفكيك الدول ، وتدمير كرامة الأنسان من خلال اقامة نظام عالمي تسيطر عليه المصالح وعبادة المال والخضوع للقوة ، ويحكمه التافهون.