يقابل القيادة الروسية في طرف الولايات المتحدة الأميركية الرئيس دونالد ترمب، الغني عن التعريف، وهو نفسه الذي بارك بالهاتف لبوتين بمناسبة فوزه الساحق في الانتخابات الرئاسية الروسية هذا العام 2018، ووجه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن، وذات الوقت عمل على طرد (60) دبلوماسياً روسياً على خلفية قضية الجاسوس الروسي البريطاني الجنسية سكريبال، وعمل بالتعاون مع جهاز أمن بلاده (C.I.A) على تهييج لندن، وأوروبا، واوكرانيا، وتشجيعهم على ممارسة رياضة الطرد الدبلوماسي لترد موسكو عليهم مجتمعين بالمثل، وليزداد التشنج، والهيجان، وليزداد الشرخ وسط الحرب البرادة العلنية والسرية الممتدة من الزمن السوفييتي بهدف الإبقاء على القطب الأميركي الأوروبي الواحد حاكماً، ومتفوقاً عسكرياً واقتصادياً، كما تعتقد واشنطن خلف أسوار أجهزة (البنتاغون)، و(الايباك)، و(الكونغرس). فهل سيجلب بوتين طعامه من موسكو إذا ما لبى دعوة ترمب حفاظاً على أمنه الشخصي؟ وهل يمكن أن نأخذ تغريدة ترمب الأخيرة بشأن صواريخ بلاده أميركا الذكية الراغب بتوجيهها لسوريا بمحمل الجد؟ وهل السيناريو السوري القادم يشبه سيناريو العراق إبان سقوط بغداد؟ وفي المقابل وفي الوقت الذي تقود فيه واشنطن الفعل وسط الحرب الباردة على كافة المستويات العسكرية والاقتصادية والإعلامية والرياضية والثقافية عموماً تواجهها موسكو بردة الفعل، ومن باب وزاوية الند للند، والتفوق العسكري والاقتصادي الأميركي تحديداً يقابل بمثله روسيا، وتجري المماحكات وسط أجهزة استخباراتهما المدنية والعسكرية وبالتعاون مع الدول الصديقة لهما. وحديث إعلامي عن ضربة أميركية عسكرية للبحرية الروسية في المتوسط مرتقبة سترد عليها روسيا بالمثل إن حصلت وهي خطوة غبية بكل تأكيد، وحتى لو وجهت لسوريا فإن المضادات الروسية بالمرصاد.
وفي المناسبة ثمة فرق بين التوازن السياسي على خريطة العالم، وما بين العلاقات الأمنية بين البلدين. وما يجري في العلن يختلف عن الكاريدورات السرية عالمياً بكل تأكيد. ترى من يقود أميركا المعاصرة الآن؟ ترمب أم وكالة استخباراته المركزية CIA؟ وماذا يعني للعلاقات السياسية الأميركية الروسية تعيين (مايك بومبيو) مدير الـ(CIA) وزيراً للخارجية بدلاً من السياسي الموضوعي ريكس تيلرسون؟ وهل أصبح الجاسوس الروسي سكريبال ضابط المخابرات برتبة (عقيد) وبجنسيته البريطانية، وبعمله المزدوج بين موسكو ولندن مهمّاً لدى اميركا وبريطانيا وباقي أوروبا ومعهم أوكرانيا لهذه الدرجة الهستيرية؟ فلماذا التصعيد غير المبرر في زمن الحاجة للسلام وأمن العالم؟! وأيهما أهم، قضية جاسوس هو في الأصل روسي ما زال على قيد الحياة وابنته أم التعاون الدولي للسيطرة على ملفات العالم الساخنة التي يتقدمها الملف النووي الإيراني واتفاقية (5 + 1)، التي بذلت روسيا إلى جانب أميركا جهوداً مضنية من أجل توقيعها، ولضمان أمن الشرق الأوسط والعالم، ولكي لا تقدم إيران على صناعة السلاح النووي الخطير علناً أو سراً عاجلاً أم آجلاً، وتحت رقابة أمنية دولية، ومنها أميركية استخبارية دقيقة. والقضية الفلسطينية في الجانب الآخر ما زالت عالقة، وما زالت تسير إلى سراب وإحباط، وبإسناد أميركي مباشر، وموضوع أسرلة القدس حديثاً شاهد عيان وهو مرفوض وسط العالمين الإسلامي والمسيحي ومن العربي، بينما الموقف الروسي ثابت يطالب بقيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشريف، وجهوداً سابقة روسية أميركية مشتركة، وبالتعاون مع مجلس الامن لتفكيك ترسانة سورية الكيماوية وبنجاح، وحضور روسي سياسي وعسكري في سوريا بدعوة من نظامها، قابله حضور أميركي مماثل بلا دعوة. وتعاون روسي أميركي أردني في المنطقة الجنوبية لخفض التصعيد، وآخر مختلف في الشمال مع الحدود مع تركيا وخلافات مع أمريكا. وترحيب روسي بمبادرة الرئيس الأميركي ترمب للقاء رئيس كوريا الشمالية (كم جونج أون) لتهدئة الهيجان النووي الكوري – الأميركي وللمحافظة على أمن العالم. ولقد عالجت روسيا ملف إرهاب الشرق العربي بخطوات عسكرية تفوقت على مثيلاتها الأميركية في سوريا تحديداً، وتم محاصرة عملها بدعاية إعلامية سلبية امتدت من قبل الانتخابات الأميركية التي دفعت للواجهة رئيساً بحجم ترمب يقاد أميركياً وصهيونياً، ولا يقود أميركا. وفي كل خطوة تحريرية لروسيا كانت ولا زالت حرب الإشاعات المغرضة في وجهها مستمرة. والغوطة ودوما خير مثال، وتصعيد أميركي بريطاني مستمر، واتهامات من دون دليل ومن غير لجنة تقصي حقائق بوجه روسيا وسوريا بخصوص استخدام السلاح الكيماوي ضد السكان السوريين.
وشخصياً أعتقد بأن أميركا راغبة بأن ينسحب سيناريو العراق يوم سقوط بغداد على سورية والذهاب إلى مزيد من الخراب والفوضى وتوليد الإرهاب من جديد بحجة معاقبة مستخدمي الكيماوي غير المعروفين بطبيعة الحال لتعدد أوجه الإرهاب والاستخبار.