منذ اندلاع الحرب على سوريا تحت مختلف المسميات ،تبقى في الذاكرة قطرات الدم الأغلى على امتنا العربية والتي تعني بالضرورة حكاية أردنية راسخة من أننا جميعا لسنا ضد احد ولسنا مع إراقة الدماء والاعتداء على دول ذات سيادة وعلى شعوب مسالمة وعلى حضارات راسخة في العمق والتاريخ.
كانت تأتينا الخيرات من سوريا وكنا نبادلها وما زلنا المودة والاهتمام وكنا وفي اغلب نهاية كل أسبوع نقضي الإجازة هناك وكنا نتنفس ذات الرجاء بحياة طيبة معطرة بقصص النجاح في التجارة والزراعة والصناعة والسياحة والثقافة والذوق ، وكانت وكنا نسير معا بخطى واثقة نحو المستقبل.
منذ اندلاع الأزمة في سوريا وحتى الآن نشعر بالاسى والألم والإحباط والقلق لما يحدث في البلد الشقيق ، وأكثر من مرة كان الحل السلمي هو الهدف المنشود لخلاص سوريا مما تعانيه أمام نظر العالم أجمع.
سوريا حكاية لها تفاصيلها الخاصة والعامة ولا يمكن اختصارها بسطحية السؤال: « هل أنت مع ام ضد الهجمة عليها ؟ « ومع ذلك وحتى تتم الإجابة عليه لابد من المتلقي السؤال والسائل أن يكون على دراية بأمور كثيرة ، ويمكن إضافة أسئلة أخرى ومنها: هل كانت الضربة متفقاً عليها مسبقا وتتزامن مع الإعلان عن الانسحاب وهل من يريد الانسحاب يفعل ذلك ، وهل استخدمت الضربة كساحة لمناهضة إطراف داخل وخارج سوريا ؟ الأسئلة تلك شائكة وتحتاج إلى مختصين وخبراء ومحليين لكشف الحقائق ؛ هل كانت تلك تمثيلة ام حقيقة وتكيتكاً لأمور قد يكشفها الوقت لاحقا دون جهد من احد ، لا يمكن اختزال الضربة بمجرد أسئلة عابرة في زمن سريع الأحداث.
للحقيقة المجردة ، لا نعرف بالضبط ما يحدث منذ اندلاع أزمتنا مع سوريا ويكفي لنا جميعا وينبغي التوقف عن التعليقات غير الدقيقة والتي تسيء لإنسانيتنا ، فمنظر الدمار وحمام الدم والقتل والتشريد والتنكيل والإبادة لا ينبغي دفعنا إلى مجرد الدفاع والهجوم بالآراء وتبادل الاتهامات ؛ ثمة شعب وبلد عربي يدمر بحقد وظلم لا مثيل له.
سوريا ليست الشام وحسب ولكنها جارة الأردن وفلسطين والعراق ولبنان وسائر الدول العربية وتشكل الرئة التي نتنفس من خلالها الانتماء لكل ما يخصنا من ضمير حي.
حين نطالع ما يكتب ويقال ونستمع إلى ردود الفعل نخجل؛ فليس ما حدث سوى ضربة قاسمة برعاية من يشجع على الإرهاب والتطرف والهمجية والدمار وليست الضربة خبراً إعلامياً يبث بل هي جراحات نلملمها علنا نضمدها لتلتئم ونشفى من أمراض كثيرة ألمت بنا جراء قصف عمقنا وإصابتنا في الصميم ، للسياسة أهلها ويجب ترك الأمور لأهلها ومع ذلك يمكن التعبير عن المشاعر بقدر من المسؤولية والاحترام لمشاعر الآخرين أيضا.
تربينا في الأردن على احترام الجميع وكم أخلصنا في الخطاب الموجه باعتدال إلى جميع من ظلم الأردن بعبارات الأذى والإساءة ولم نقابل ذلك سوى بالصبر وسط أحداث ومتغيرات عصفت بالمنطقة والعالم.
لبسنا في الأردن ومنذ التأسيس عباءتنا العربية والإسلامية والتي تعكس مظهرنا الحقيقي وخصوصيتنا وتحترم أيضا ودوما خصوصية الآخرين وما كنا يوما نسير باتجاه العواطف أو نرضخ للضغوطات، وعلى العكس تماما دفعنا ثمن مواقفنا الواضحة وتكبدنا الكثير من الخسائر نتيجة مواقفنا الثابتة والراسخة وكم تعرضنا للتشويه الإعلامي جراء ذلك كله وللأسف الشديد.
وكم تحملنا من أعباء وتكبدنا الخسائر على حدودنا الأطول مع سوريا وكم تأثرنا كمجتمع مستضيف لنتائج الأزمة السورية وتأثرت شرائح المجتمع كافة بذلك سواء في قطاع التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات.
تربينا مع حارات دمشق تماما مثل حارات عمان واربد وتربينا في «المشرقة» وارض الديار تماما كما جلسنا في المضافة والديوان، نردد أن الحلم واحد وأننا نهتم يبعضنا البعض ولا «يهون « لنا أبدا أن يحدث الدمار في أي بلد عربي شقيق.
عادت الحياة إلى سوريا عقب الضربة الجوية وكأن شيئا لم يكن، ولكن يبقى السؤال: لماذا يحدث ذلك ومرارا وتكرارا معنا ومع مشروعنا اليومي للشعور بالراحة والانسجام مع الذات ، ولماذا لم تعد تؤثر فينا القصفات الجوية والأرضية وتحولنا للمشاهدة وتبني وجهات نظر فقط لا غير و«والزعل» إن خالفنا الرأي غيرنا من المشاهدين.
خسرنا الكثير جراء الأزمة السورية وتحملنا أكثر نتيجة للظروف المحيطة بنا وبسوريا وامتد الوجع من مجرد رحيل إلى غربة حقيقية داخل النفوس والتي ما تزال تنبض بأمل الحياة مهما طال «المطال «.
سوريا عنوان وتجربة حقيقية للانتماء إلى الإرث المعطر بدم الشهداء والأوفياء على ثرى الأردن الطهور وسائر بلاد الشام والأمة العربية والإسلامية جمعاء ؛ لن نتنفس جيدا سوى بنقاء هواء وفضاء سوريا ولبنان والعراق ومصر واليمن والسعودية وسائر شعبنا التنفسية من الهواء العربي النقي وعيشنا في حارة بابها واحد لا تغلقه سوى تلك النفوس التي لا تعشق الحرية.
سوريا...
11:15 20-4-2018
آخر تعديل :
الجمعة