لدى مشاهدتي وسماعي ما قالته مندوبة أميركا في الأمم المتحدة ، نيكي هيلي، في مؤتمري الأيباك سنة 2017 و 2018 ، فزعت وصدمت من مستوى الخطاب وأسلوبه ، ولم أصدّق أن ينزل الدبلوماسيون الأميركيون إلى هذا الدرك من الإسفاف وقلة الذوق.. فهذه المندوبة التي تمثّل أقوى وأهم دولة في العالم ، لم تخجل من الوقوف في مؤتمر الأيباك سنة 2017 ، مختالة كالطاووس وهي تشاهد الألاف يصفقون لها ، لتبدأ كلامها بأسلوب يثير التقزز والاشمئزاز قائلة: « أنا ألبس حذاء ذا كعب عال لا من باب الموضة ، بل لأستخدمه في ضرب الآخرين ( تقصد مندوبي الدول الأخرى في الأمم المتحدة ) ، إذا رأيت موقفا خاطئا ضد إسرائيل !! وتضيف في إطار النفاق للوبي الصهيوني: عندما حاولوا إدخال فلسطين إلى الأمم المتحدة قلنا لهم لا ، ومنعنا ذلك ، فحاولوا اختبارنا ثانية بتمرير تقرير مثير للسخرية من قبل ريتشارد فولك الذي لا أعرف من هو ، وإن بدا لي أنه يعاني من مشكلة ، فرفضنا التقرير وطلبنا من الأمين العام للأمم المتحدة إيقافه ، فطلب منه سحب التقرير ، ليقوم بتقديم استقالته غير مأسوف عليه «.. ( ريتشارد فولك الذي تتهكم عليه هذه الهندية التي تحمل شهادة بكالوريوس في المحاسبة ، هو أستاذ جامعي عريق ، له أربعون كتابا ، وهو خبير دولي في القانون ، يعمل مقررا خاصا في الأمم المتحدة ، وعمل من سنة 2008 – 2014 ممثلا للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية ، مما أتاح له الاطلاع على أساليب معاملة إسرائيل للفلسطينيين التي وصفها بالعنصرية ، وهذا ما أثار حفيظة مندوبة أميركا فعملت على إخراجه من المنظمة الدولية ).
ختمت تلك السيدة كلامها بكل غطرسة قائلة: لقد ولّى ذلك العهد الذي كانت تنتقد فيه إسرائيل ونسكت ، وليعلم الجميع أن هناك الآن مسؤولة جديدة في الأمم المتحدة تستطيع أن تفعل كل شيء ، وبكل الوسائل ، حتى لو كان استخدام الحذاء !!
أما خطابها هذا العام في الأيباك ، فقد زادت صراحته ، وزاد نفاقه على خطابها السابق ، في وسط جمهور صاخب يصفق وقوفا كلما نطقت جملة ، بما يذكّرني بجمهور نوادي الستبرتيز الذي يزداد تصفيقه كلما نزعت الراقصة قطعة من ثيابها ، تقول هذه السيدة التي تمثّل أميركا: أنا أحضر اليوم هذا اللقاء عند أصدقائي وأحبائي لأؤكد لكم أن القدس لا يمكن إلا أن تكون كما كانت في الماضي ، عاصمة لإسرائيل ، وأعلمكم أنني ساكون هناك قريبا في حفل افتتاح سفارتنا مع سفيرنا العظيم ديفيد فريدمان.. ولتعلموا أننا لن نسمح لأحد بالوقوف ضد إسرائيل ، فعندما حصل تصويت في اليونسكو حول عروبة القدس ، انسحبنا من المنظمة وقطعنا التمويل عنها ، وعندما قال لي صائب عريقات لا تتحدثي عن القدس ، قلت له عليك أنت أن تصمت.
كنت أتأمل كلماتها وأنا أشاهد الاحتفاء بها على ذلك النحو الهستيري ، وأتساءل هل بلغ الدبلوماسيون الأميركيون هذا المستوى من الضحالة والسفاهة ؟ وهل يليق بالمسؤول الأميركي أن ينزل إلى هذا الدرك من النفاق والسوقية ؟
كنا نعتقد أن أميركا مدرسة في الدبلوماسية واللياقة والكياسة والإدارة ، ولكن يبدو أن الأمور قد اختلفت بعد وصول ترمب إلى سدة الرئاسة ، إذ تحوّلت الدولة إلى شركة يديرها أناس حاقدون يفتقرون إلى الحد الأدنى من اللباقة والنضج والذوق والسلوك، يتعامل موظفوها مع الآخرين بكل عنجهية وغطرسة ، وهذا ما يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا مما يمكن أن يجرّه ذلك على العالم أجمع ، وعلى قضايانا العربية ، وقضية فلسطين بشكل خاص.