حين أفكر ملياً في جردة حساب للسنوات السبعة العجاف التي مرت بها منطقتنا وأريد أن أحصي الخسائر الكبرى، لا أجد أكبر من خسارتنا الثقافية، فنحن منطقة شغلها الموت والدم والدمار، وبات الحديث عن الثقافة يبدو كترف لا مبرر له، وهذا الأمر انسحب على الداخل الأردني، حيث تردى الوضع الثقافي الذي صار أسير السياسي والاقتصادي.
حين أنظر للأردن عن كثب أشعر بمقدار الخسارة التي نعانيها، دون أن نشعر بأسف أو وجع حضاري، وأتساءل هل كان هناك مشروع ثقافي للدولة الأردنية وأضاعته خلال الفترة الماضية، أم أن الثقافة كانت حالة على الهامش الأردني، والاحتفاء بالمثقفين والكتاب والشعراء كان مجرد طقس بلا معنى.
من يسمع اليوم ما يتم تسميته جزافاً بالأغنية الوطنية، ويستعيد، إذا أسعفته الذاكرة، أغنية عن الأردن قديمة، سيرى الفارق، ويدرك كيف استولت على الذاكرة أغنيات رثة بلا معنى، لا تحتفل بأردن التنوع، بأردن حضاري منفتح، بأردن يحتفل بالحياة.
ما الذي حدث؟
سؤال يوجه لكل من تولى مسؤولية وزارة الثقافة، ولم يستطع أن يقدح الشعلة لمسيرة الإبداع، فكيف لوطن كالأردن لا يحتفل بشعرائه وأدبائه ومثقفيه وفنانيه، كيف يمكن أن ندعي أننا نساهم بالحضارة الإنسانية من دون وجود نتاج إبداعي أردني؟
قد يذكر البعض، كمناكفة لي، قصيدة هنا وكتاباً هناك، وفيلما حاز على جوائز دولية، ولكن لا أحد يستطيع أن يدعي وهو مرتاح الضمير أن هناك حالة ثقافية تحفز الإبداع.
سمعنا كثيراً عن لجان تدرس مواضيع الأغنية الوطنية، وكيف يقدم الأردن نفسه للأردنيين ولغيرهم، ولكننا لم نسمع عن نتائج تلك اللجان.
لماذا نحتفي بمبدعينا حين يموتون ولا نكتشف إبداعهم ونكشفه وهم أحياء؟
منذ رحيل حبيب الزيودي فقد الشعر الأردني صوتاً له ملامحه الخاصة، ولكن لم تساعد الدولة على ظهور أصوات جديدة لتملأ الفراغ وتخلق لذاتها مساحات جديدة في فضاء الوطن.
يدهشني أن بيننا شعراء لم يسمع بهم كثيرون، ويدهشني أكثر أن الدولة لا تحتفل بشعراء وهبوا شعرهم للاحتفاء بالوطن.
كيف يمكن لأذن عاقلة تسمع قصيدة هذا مطلعها وتمر عليها مرور الكرام
هنا الدنيا تعيد صياغة الدنيا وتنسج من خيوط الشمس أكوانا
هنا الفقراء أغنى الناس والبسطاء أحلى الناس والضعفاء أقوانا
من كتب هذه القصيد شاعر مرهف الحس مهجوس بالأردن كحالة حضارية، ومدرك لما هو أعظم، إمكانية تحول المراكز الحضارية في المنطقة، وجاهزية عاصمتنا أن تكون حاضرة من الحواضر، وكأنه التقط بذكائه الفطري ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني يوماً:
«والأهم أن ترفع راسك لاستشراف المستقبل الذي يجسد طموحاتنا الكبيرة. وبإمكاننا أن نحقق ما هو أعظم بكثير. ففي كل طفلٍ وشابة وجندي وأم وعائلة وحيّ ومدينة قدراتٌ بإمكانها أن تحقق لهذا الوطن ما لم يحلم به أحد. فالأردنيون والأردنيات حدودهم السماء. وما كان قدر هذا البلد يوماً، إلا أن يكون بدايةً لما هو أعظم».
هذا الشاعر الذي يسكن الوطن وجدانه وكل ثنية من ثنايا روحه هو محمد راشد الحنيطي، جاوز عمر الشباب ولم يحتفل به أحد، ولكنه ظل كسروة أردنية أصيلة صامداً على حبه للوطن، أليس جديراً بالأردن أن يحتفل بشعر جميل يمجده، أليس من حقنا أن نسمع كلاماً راقياً في حب الوطن يتم تلحينه كي تطرب أرواحنا؟
هناك العديدون غير محمد الحنيطي يطوفون في زوايا الوطن، منتشرون في كل مكان، ربما بسبب روحهم الشفيفة لا نراهم ولا نسمعهم، وربما لأن صوت الحروب أصم آذاننا وأعمى أبصارنا، أو ربما، وهذا ما أخشاه، أن الدولة استقالت من دورها الثقافي، وصارت خاوية بلا مشروع ثقافي أو حضاري، وصارت الأمور تدار باليومي بأدنى الحدود.
بعد ثلاثة أعوام من اليوم سيحتفل الأردن بمائة عام على تأسيسه، فهل لنا أن نحث الخطى كي نجسر الهوة التي حدثت في المشروع الحضاري والثقافي، كي يبدو وجه الأردن الجميل حضارياً وثقافياً باحتفال المئوية؟
ليتني أملك عصا سحرية، ولكنني لا أملك غير الحرف وأنت يا محمد الحنيطي لا تملك غير حبك للأردن تصوغه شعراً علَّ الأرواح الشفيفة تُرى يوماً ويُحتفل بها.