كتاب

ما بعد الديمقراطية وأفق الاستبداد

برز مصطلح «ما بعد الديمقراطية» بقوة عقب الترهل والتراجع الذي أصاب مفهوم «الديمقراطية» في الغرب، بعد جملة التحولات التي رافقت نشأة وتشكل المصطلح، وتشير عبارة «ما بعد» إلى تحول في إطار من الاستمرارية، وتنتشر وكأننا ندرك في عالم بالغ القدم أننا متأخرون أو لاحقون عليه حسب بريس كوتورييه، إذ لم يعد في وسعنا زعم الجِدة، فنحن نأتي في مرحلة ما بَعد، ونكمل ما سبقنا، ولكن ما يلي ننزع عنه طابعه ولونه، ونطعن فيه، فـ «ما بعد» يخالف ما يقال أكثر مما يبني بناء عليه، فما بعد العلمانية يرى أن العالم لا يتجه إلى الخروج من الدين، كما حسِب الأوروبيون، وما بعد الحداثة تعلن إخفاق مشروع الحداثة والأنوار، وما بعد الديموقراطية هو نظام تتفلت فيه القرارات من أيدي الجسم الانتخابي وتؤول إلى مؤسسات غير منتخبة خارج المحاسبة.

شيوع مصطلح ما بعد الديمقراطية جاء عقب تراجع الديمقراطية وتنامي النزعة الاستبدادية، وفي حقيقة القول إن ما بعد الديمقراطية هو الاستبداد، وعلى الرغم من الانتقادات الحصيفة للديمقراطية كأحسن نظام حكم سيئ، إلا أن هذا النظام تعرض لمزيد من الانتكاسات خلال السنوات الماضية، وقد شهد العالم تراجعا لافتا في مستوى تحقيق الديمقراطية وقيمها، وقد حدد تقرير مؤسسة «فريدوم هاوس» الصادر في 16 يناير الماضي، العام 2017 كأخطر عام على الديمقراطية، فقد حازت معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، على تقييم متدن في التقرير السنوي للمؤسسة المعنية بقياس الحريات والديمقراطية حول العالم، بينما كانت سوريا الأسوأ، وشهد العام المنصرم حسب التقرير أخطر أزمة واجهتها الديمقراطية منذ عقود، إذ تعرضت الانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الأقليات، وحرية الصحافة، وسيادة القانون، لهجوم في جميع أنحاء العالم، وبحسب التقرير فإن 71 دولة شهدت انخفاضًا في الحقوق السياسية الحريات المدنية، فيما لم تحقق سوى 35 دولة تقدمًا في هذه المجال.

أحد المسائل الهامة في مسألة انتكاسة الديمقراطية وشيوع الاستبداد، هو أن الدولة الرائدة التي ينبغي أن تشكل نموذجا للديمقراطية ورعايتها ونشرها، أصبحت سببا أساسيا في تراجعها، وقالت صحيفة «الواشنطن بوست» الأميركية إن الديمقراطية حول العالم في تراجع، واعتبرت أن الولايات المتحدة تتحمل جزئيا مسؤولية ذلك، وحسب رئيس مؤسسة «فريدوم هاوس» مايكل إبراموفيتس، إن الولايات المتحدة تراجعت عن دورها القيادي في الدفاع عن الحريات والديمقراطية،

لافتًا إلى أن العالم كان يظن أن الديكتاتوريات قد هزمت قبل ربع قرن، بعد انتهاء الحرب الباردة، وأضاف إبراموفيتس أن دولًا كان ينظر إليها على أنها تجارب نجاح في قيام الديمقراطيات، تنزلق اليوم باتجاه العنف والديكتاتورية والعسكرة.

تراجع الديمقراطية بدا لافتا يصورة فجة، فقد أظهر التقرير السنوي عن حالة الديمقراطية والحريات بالعالم، الذي تصدره وحدة البحوث بصحيفة «ذا إيكونوميست» البريطانية، أن أكثر من نصف البلدان في العالم شهدت تراجعا في آخر تحديث لمؤشر الصحة الديمقراطية، وأن جميع الدول العربية، باستثناء تونس، تعيش حالة انحدار كبير، بنسب متفاوتة بشكل طفيف، ويصنف التقرير الأنظمة السياسية الحاكمة ضمن أربعة مستويات، ديمقراطيات كاملة وديمقراطيات معيبة وأنظمة تتفاوت ما بين الديمقراطية والديكتاتورية، انتهاء بالأنظمة الديكتاتورية، فعربيا، باستثناء تونس، التي جاءت ضمن خانة الديمقراطية المعيبة، بتحقيق 6.32 من أصل عشرة نقاط، فإن جميع الدول العربية تظهر مستويات متدنية جدا، وقال التقرير إن عدداً من الدول الغربية الديمقراطية شهدت تراجعاً واضحاً فيما يتعلق بحريات الرأي والإعلام، وقال التقرير إن ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة أقروا قوانين من شأنها الحد من حرية الرأي والإعلام بحجة الضرورات الأمنية ومكافحة الإرهاب.

كان العالم السياسي البريطاني كولين كراوتش هو الذي منح شكلا وشعبية لمصطلح ما بعد الديمقراطية في كتابه ذائع الصيت «ما بعد الديمقراطية» الذي نشر عام 2004، وقد قصد كراوتش بهذا المصطلح مرحلة جديدة من الديمقراطية، هي عصر الرأسمالية بطابع العولمة، ويرى أن «الانتخابات من وراء طابعها الديمقراطي - تجري الانتخابات في حرية التعبير والتعددية ووجود الأحزاب - لم تعد تمنح للمواطنين المكانة التي يستحقونها»، ويضيف «أصبحت القرارات تتخذ في مكان آخر، من قبل آخرين: في ردهات اللوبيات، وفي الشركات الكبرى، المرتبطة بالنخب السياسية التي تربطها صلات قوية بهذه النخب، مثل منظمة التجارة العالمية».

في هذا السياق تتساءل الباحثة الفرنسية صونيا فور «هل ستستمر الديمقراطية من دون الشعوب؟»، وتجيب قائلة «في أوروبا خلقت المعركة بين الحكومة اليونانية والترويكا (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) فجوة صارت تفصل المواطنين عن المؤسسات غير المنتخبة القادرة رغم ذلك على أن تؤثر في حياتهم اليومية»، وأكدت أن الحالة باتت معممة ففي «فرنسا، بموجب مبدأ الحالة الاستثنائية تم تمديد حالة الطوارئ، وفيما جمعت عريضة أكثر من مليون توقيع ضد إصلاح قانون العمل، أُهملت الانتخابات»، وتضيف «كل شيء يسير وكأن الامتناع عن التصويت جاء ليعاقب المؤسسات التمثيلية التي لا أحد يؤمن بها، وليساهم أيضا في نزع الشرعية عنها».

تشير المفكرة البلجيكية الراديكالية شانتال موف في كتابيها «المفارقة الديمقراطية» و»في السياسي» إلى أن العالم لعله دخل فعلا عصر «ما بعد الديمقراطية»، فإنّ المكوّن الليبرالي أصبح طاغيا إلى درجة أنّ المكوّن الديموقراطيّ يكاد يتلاشى. صارت الديموقراطية تفهم اليوم على أنّها دولة القانون والدفاع عن حقوق الإنسان، في حين أنّ فكرة سيادة الشعب تعتبر متجاوزة ومتروكة. أمّا من يتمرّد على قواعد النخب ويصرّ على إعطاء الشعب حقّ المساهمة في صنع القرار وفتح المجال لاحتياجاته، فيتمّ رفضه على أنّه «شعبوي»، وأعتبر هذا الكبت للتقاليد الديموقراطيّة أحد أهمّ معالم وضعنا «ما بعد الديموقراطي»، وبدون التخلّي عن سياسة «التوافق على مستوى الوسط الاجتماعي»، التي هي أحد أسباب تزايد تهميش المؤسسات الديموقراطية، لا يبقى أي أمل في الإفلات من اتجاه «ما بعد الديموقراطية». ويجب النضال السياسي ضدّ تمييع الحدود بين اليسار واليمين.

كان عالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود قد أكد في كتابه «ما بعد الديمقراطية» في انتقاده اللاذع لساركوزي وأسلوبه في الحكم وسلوكه اليومي العادي، مؤكدا على اختلاط اللعبة السياسية بفرنسا وعدم إمكانية التمييز بين اليمين واليسار وهيمنة المصلحة الخاصة، وخاصة المادية منها، على حساب الوفاء للحزب أو لمبادئ أيديولوجية وسياسية بعينها.

يوسع المحلل التركي أحمد أنسل مسألة انمحاء الفواصل بين اليمين واليسار وغياب التمثيل الشعبي، ويشير إلى فضاءات أخرى بالقول «بجانب ما بعد الديمقراطية التكنوقراطية ظهرت ما بعد الديمقراطية الاستبدادية، كالتي جاء بها شافيز في فنزويلا، وأوربان في المجر، وأردوغان في تركيا: فهم قادة منتخبون بطريقة جيدة، ولكن ما إن تمر الانتخابات حتى يعتقدون أن الشعب صار واحدا منهم، وأنهم يسكنون هذا الشعب، أما العدو، بالنسبة لهم، فهو الفصل بين السلطات.

إذا كانت ما بعد الديمقراطية في عالم الغرب تشير إلى اختلاط اليمين باليسار وتراجع دور الشعب وصورية العملية الانتخابية وصعوبة الفصل بين السلطات، ففي عالم العرب لم تعرف الأجيال بداهات الديمقراطية، وقد وظَّفَـت الأنظمة السياسية الإجراءاتِ الديمقراطيةَ أو الآلياتِ الانتخابية لتأبيد الاستبداد، وقفزت إلى مصاف ما بعد الديمقراطية الاستبدادية بطرائق شتى.