مفاجأة الإنتخابات الرئاسية الروسية الأخيرة ليست فوز فلاديمير بوتين وليس في أنه أصبح الثاني في البقاء في «الكرملين» بعد جوزيف ستالين، فهذا أمرٌ عادي عندما تنحسر الثروة والسلطة في آنٍ واحد في يد رجل أصبح أغنى رجل في العالم وأكثر متسلط في الكرة الأرضية داخلياً وخارجياً، وعندما تزول الرؤوس الصاعدة الكبيرة من أمامه بالطرق التي بقيت تزول فيها خلال الثمانية عشر عاما الماضية وقبل ذلك.
وهكذا فإن المفاجأة كانت في أن الحزب الشيوعي (السوفياتي) حزب لينين لا يزال يحظى بكل هذه الشعبية وإلى حدِّ أنه كان من الممكن أن ينافس ويزاحم فعلياًّ على الفوز لولا أن «الطابور الخامس» السري قد اشتغل شغله ولولا أنَّ جهاز الـ»كي.جي.بي» الذي يقال إن بوتين كان مدير محطته في ألمانيا الشرقية قد بقي يرعى هذه الظاهرة البوتينية في زمن بوريس يلتسين وقبل ذلك وبعد ذلك!!.
ولعل أن سبب هذه المفاجأة الحقيقية، التي هي ظهور الحزب الشيوعي بكل هذه القوة الفعلية، هو أنَّ الروس ومعهم الشعوب الأخرى التابعة لهم قد عرفوا القمع ومصادرة الحريات العامة واستبداد المكاتب السياسية المتلاحقة للحزب الحاكم الوحيد، لكنهم على الأقل لم يعرفوا الجوع والفاقة والمسافات الهائلة بين الفقراء والأغنياء، فحتى في زمن الرجل الحديدي جوزيف ستالين فإن الأفواه كانت محرومة من الكلام لكنها كانت غير محرومة من الأكل كما هي الأوضاع الحالية حيث السلطة والثروة تجتمعان في مكان واحد وفي جيب وحيد ويدٍ واحدة.
وهنا، فربما أنَّ كثيرين لا يعرفون لا بل أنهم يعرفون لكنهم لا يعترفون أنَّه حتى الذين «تآمروا» على صدام حسين وأدّعوا أنهم قاوموه «يتحسرون» الآن عليه و»يترحمون» على تلك الفترة عندما كان هناك استبداد وقمع، لكن لم يكن هناك كل هذا «الفرهود» وكل هذا السلب والنهب وكل هذه الطائفية وكل هذا الإحتلال الأجنبي للعراق العظيم الذي بفقدانه فقدت الأمة العربية جدار دفاعها الشرقي المتين وأصبح الفرس يتنمردون حتى على أضرحة أبطال القادسية ونهاوند وذي قار.
وعليه فإنه يجب ألاّ يكون مستغرباً أن يكون الحزب الشيوعي، حزب لينين وستالين، هو مفاجأة هذه الإنتخابات التي كانت نتائجها معروفة سلفاً، وربما منذ أن وجه يلتسين مدافع الدبابات إلى مبنى البرلمان السوفياتي الـ»دوما» ومنذ أن أخذت الأموال تتجه إلى جيب واحد وأصبح هناك في بلد العدالة الإجتماعية أغنى رجل في العالم!!.