إنها معركة الكرامة التاريخية ، إذ أعيدت للأمة كرامتها بعد يأس ومهانة.. إنه الحادي والعشرون من شهر آذار سنة 1968 الذي يستحق أن يوصف بيوم النصر والعزة.. اليوم الذي حقق فيه الجيش الأردني المغوار ، وفصائل المقاومة الفلسطينية الباسلة ، نصرا مؤزّرا على الجيش الذي لا يقهر، الجيش الذي كان قبل أقل من سنة قد حقق نصرا مدوّيا على ثلاثة جيوش عربية ، واحتلّ آلاف الكيلومترات من الأرض العربية في فلسطين وسوريا ومصر ، بخسائر تكاد لا تذكر.. الجيش المنتشي بخمرة النصر والتفوّق والغرور الذي يريد أن يؤدّب الجيش الأردني لغضّه الطرف عن نشاط الفدائيين في منطقة الأغوار ، معتقدا أن معنويات الجنود الأردنيين الخارجين من حرب غير متكافئة ، ستفتح له الطريق لتحقيق نصر سريع وقليل الكلفة ، فهاجم على طول الجبهة من الشمال حتى البحر الميت ، وهدفه القضاء على قوات المقاومة الفلسطينية ، واحتلال تلال السلط وناعور لتهديد العاصمة عمان ، كما فعل في الجولان ، وبعد ذلك في جنوب لبنان.
ظنّ الإسرائيليون أن تلك المهمة ستكون تدريبا أو نزهة ، وكان المخطط أن تعبر القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن للقضاء على قوات الفدائيين التي كانت تتمركز في الأغوار ، ولتأديب الجيش الأردني الذي كان يغطي الفدائيين.. بدأ العدوان الساعة الخامسة والنصف فجريوم الخميس 21 آذار سنة 1968 ، بشنّ هجوم واسع من ثلاثة مواقع ، جسر داميا وجسر سويمة وجسر الملك حسين ، ليستمر 16 ساعة من القصف والقتال الضاري مع الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين.. وقد فوجىء الإسرائيليون باستبسال الفدائيين ، وبعنف قصف المدفعية الأردنية الذي وصفه قائد مجموعة القتال الإسرائيلية المقدّم ( هارون بيليد ) قائلا: « لم أر في حياتي قصفا بهذا العنف ، فقد أصيبت كل دباباتي ما عدا اثنتين».. ويقول اخد االخبراء العسكريين إن طاقم أحد المدافع الأردنية قد أطلق حوالي أربعة آلاف قذيفة خلال المعركة ، على الرغم من قسوة غارات الطيران الإسرائيلي على مواقع المدفعية الأردنية ، وهذا رقم لا تسجّله إلا المدافع المتطورة ، مما يدل على قوة وحماسة الجنود ، واستماتتهم في الدفاع عن أرضهم..
بسبب ضراوة القتال والقصف ، وضخامة خسائر الأفراد والمعدات في الجانب الإسرائيلي ، طلبت قيادة العدو في منتصف النهار ، وقف القتال ، لكن الملك الحسين رحمه الله ، الذي كان يشرف على سير المعركة ، رفض وقف القصف طالما أن هناك جنديا إسرائيليا واحدا شرقي نهر الأردن.. وهكذا انسحب الجيش الإسرائيلي بعد تدمير قرية الكرامة ، تاركين وراءهم لأول مرة في تاريخ حروبهم ، جثث قتلاهم وآلياتهم المدمرة والمحترقة ، حيث عرضت تلك الأليات في الساحة الهاشمية بعمان.
لم تكن المعركة سهلة ، فقد خسر فيها الجانب الأردني 86 شهيدا ، و108 من الجرحى ، وحوالي 50 آلية ، أما خسائر الجانب الإسرائيلي في الأفراد والمعدات فقد بلغت 250 قتيلا ، و450 جريحا ، و88 آلية ، ولأول مرة في حروبهم تكون خسائر الجانب الإسرائيلي أكبر من خسائر الجانب العربي.. ولكن أهمية هذه المعركة تكمن في إعادتها الثقة للنفس العربية المنكسرة ، وتحطيمها أسطورة الجيش الذي لا يهزم ، وقد قال عنها رئيس أركان العدو بارليف: إن معركة الكرامة فريدة في نوعها ، إذ لم يتعوّد الشعب الإسرائيلي على هذا الكم من الخسائر ، واستيلاء الأردن على عدد من آلياتنا ، ناهيك أننا فقدنا في هذه المعركة من الأليات ثلاثة أضعاف ما فقدناه في حرب سنة 1967. كما قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية: لقد جعلت نتائج معركة الكرامة الملك حسين بطل العالم العربي.
شكّلت معركة الكرامة نقطة تحوّل في تاريخ العسكرية العربية ، وأعادت الثقة والأمل إلى النفوس العربية المسكونة باليأس ، فكانت الشعلة التي أوقدت جذوة الصمود والتحدي ورفض الأستسلام للهزيمة ، ولا أغالي إذا قلت إن نصر الكرامة هو الذي شجّع مصر وسورية لخوض حرب أكتوبر سنة 1973 ، حيث هزمت إسرائيل هزيمة نكراء في سيناء والجولان ، ولم يغيّر النتيجة إلا تدخّل أميركا في الحرب ، وإقامتها جسرا جويا حربيا من قواعدها في ألمانيا إلى جنوب سيناء وشمال إسرائيل ..
إنها الكرامة معنى ومعركة ، يحتفل بها الأردن كل عام مقترنة بعيد الأم ، وحق له أن يحتفل بها معه الأخوة العرب ، لأن معركة الكرامة هي التي أزالت الإحباط ، وأعادت الثقة المستلبة إلى النفوس.