كتاب

الطائر الأحمر... هل عاد «الغلاديو» و«استراتيجية التوتر»؟

بدأت دور السينما بعرض فيلم (Red sparrow) أو الطائر الأحمر، وهو فيلم يروي قصة فتاة يتم تجنيدها من قبل المخابرات الروسية لتقوم بمهام استخباراتية وعملياتية ضد الولايات المتحدة الأميركية، وبعيداً عن سرد تفاصيل الفيلم المشوقة والهادئة في ذات الوقت، وما حملته من نهاية صادمة، فقد أثار الفيلم الأميركي لدي العديد من الأسئلة حول عودة العالم إلى حقبة الستينات ومرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي.

ومع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن سلاح لا يمكن للولايات المتحة تعقبهأو إيقافه أعدت قراءة توقيت صدور الفيلم بصورة جديدة، فكما نعر فإن هوليوود ذراع أمريكية ناعمة لتمرير العديد من الرسائل للعالم أجمع، حيث يبو أن العالم مقدم عل ما هو أصعب خلال المرحلة القادمة، دون أن ننسى أن الصين ستأخذ خطوة خطيرة لا يتم التعرض لها إعلامياً، وهي التمديد للرئيس الصيني لمدى الحياة وكسر قاعدة فترتي حكم تمتد فيها كل فترة لمدة خمس سنوات.

فهل سيشهد العالم في المستقبل القريب سفك كمية كبيرة من الدماء بحيث يجب التوقف اليوم ومحاولة فكفكة الصورة رغم روائح الدم والبارود التي تحيط بنا في المنطقة لمعرفة إلى يتجه العالم.

في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برزت الشيوعية كعدو للغرب، وكان الأميركيون وحلفاؤهم يدركون أن عليهم تشويه صورة الشيوعية كي يوقفوا احتمال امتدادها نحو الدول الغربية، ورأوا أن إيطاليا هي الدولة التي تعد أرض المعركة الرئيسة في محاربة الشيوعية، باعتبارها الخاصرة الرخوة، والتي يمكن من خلالها للشيوعية التسلل إلى السلطة في الدول الغربية.

ولمواجهة ذلك الخطر أنشئت منظمة دفاع الاتحاد الغربي، ورئس المشير (برنارد مونتغمري) المنظمة التي تم إنشاؤها في الخامس من تشرين الأول 1948، ووضع ما يسمى بـ(البروتوكولات السرية لحلف شمال الأطلسي المضادة للشيوعية) التي تقضي بإنشاء تنظيم غير رسمي لضمان بقاء توافق توجهات الحكومة الإيطالية الداخلية مع الكتلة الغربية مستخدما كل الوسائل الضرورية وإن فضّل الشعب توجهات أخرى.

وكان الحلف الأطلسي في قلب هذه الشبكة السرية المرتبطة بنشر الرعب، من خلال اللجنة السرية للتخطيط (clandestine planning committee) واللجنة السرية المتحالفة (ACC).

وكات شبكات مناهضة الشيوعية موجودة في كل من أوروبا، بما في ذلك في البلدان المحايدة مثل السويد وسويسرا، كانت تمول جزئيا من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وتعد منظمة (غلاديو) أحد الأمثلة الأولى على عمل (جيش الظل لحلف شمال الأطلسي في أوروبا) والذي كان في الخدمة خلال الحرب الباردة.

وبتوجيه من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات السرية البريطاني المتعارف عليه بـ(MI6)، قام أعضاء (غلاديو) بهجمات إرهابية في أوروبا الغربية، وتم نسبها وتبنيها من قبل تنظيمات شيوعية ويسارية (متطرفة) راديكالية، وكان الهدف النهائي لـ(غلاديو) يتمثل في تشويه صورة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، وتشجيع المواطنين الأوروبيين على الموافقة على قبول سياسات حكوماتهم تجاه (الأمن القومي).

وفي آذار 2001 ألمح الجنرال جيانديليو ماليتي، الرئيس السابق لـ(جهاز التجسس المضاد) الإيطالي، إلى أنه إلى جانب منظمة (غلاديو) السرية وجهاز المخابرات العسكرية الإيطالية ومجموعة صغيرة من إرهابيي اليمين المتطرف، فإن عمليات القتل التي أفقدت الشيوعيين الإيطاليين مصداقيتهم نالت موافقة من البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

وخلال محاكمة إرهابيين من اليمين المتطرف متهمين بالتورط في هجمات ساحة فونتانا، شهد (ماليتي) بما يلي: «كانت وكالة الاستخبارات المركزية، بتوجيهات من الحكومة الأميركية تهدف إلى خلق حالة وطنية إيطالية قادرة على وقف ما تعتبره انزلاقا نحو اليسار، وتحقيقا لهذه الغاية، تمكنت من استخدام إرهاب اليمين المتطرف».

وبينما أكد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران أن كل هذا أصبح من الماضي، عُرف في ما بعد أن هذه التنظيمات السرية لا تزال قائمة عندما ألمح (جيوليو أندريوتي)، رئيس وزراء إيطاليا في ذلك الحين، إلى أن (ميتران) كان يكذب، عندما علق على تصريحه: «تقول إن الجيوش السرية لم يعد لها وجود، في حين حضرت أنا الاجتماع السري في خريف عام 1990، وأنتم الفرنسيين كنتم حاضرين، لا تقل إنها لم تعد موجودة «.

غضب (ميتران) كثيرا من (أندريوتي) لأنه كشف هذا السر، واضطر لتعديل تصريحه، وفي وقت لاحق قام رئيس المخابرات الفرنسية الأميرال (بيير لاكوست) بتأكيد وجود هذه الجيوش السرية، وأن فرنسا تورطت بدورها في بعض الأعمال الإرهابية.

هذا ما حدث تاريخيا، وهو ما يجعل ما يحدث اليوم من تطورات وتصريحات وكيفية استخدام السينما لتمرير الأفكار والتصورات وما يتم من غض للبصر من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية يثير الريبة والسؤال حول إمكانية اتباع هذه الأجهزة لما يُعرف لدى العالمين بأمور الاستخبارات باسم (استراتيجية التوتر)، وهي الاستراتيجية التي انتهجت خلال الحرب الباردة وما بعدها، حيث تستهدف هذه الاستراتيجية عواطف البشر، وتهدف إلى نشر الخوف بين المجموعة المستهدفة، فالتوتر يشير إلى الاضطراب العاطفي والخوف النفسي لدى العامة، في حين أن لفظ (استراتيجية) يشير إلى تقنية إحداث مثل ذلك التوتر والخوف.

هل يمكن لنا فكفكة المشهد المركب أم أننا غارقون بمصائبنا حتى الأذنين، لنتفاجأ بالعالم الذي سنصحو لنتعامل معه بالمستقبل القريب؟