في هذه الأيام أنّى وجّه المواطن وجهه لا يرى إلا الحروب والقتل والدماء والضحايا ، وكأن قدر الإنسان العربي أن يعيش حياته مشبوحا بين الجوع والدم والقتل والتشرّد والعذاب ، يحاربه الأعداء على أرضه ، ويثيرون أبناء الوطن الواحد ، بعضهم على بعضهم الآخر.. فالوطن العربي الممتد من الماء إلى الماء ، بسكانه الذين يزيدون على ثلاثمائة مليون ، المكتنزة أرضه ومياهه بأغنى الثروات ، لا يعرف أبناؤه إلا الجوع والفقر والمرض والدم ، منذ بداية القرن العشرين.
أسوق هذه المقدمة لأصل إلى القول إن كل هذا القتل والدمار والتشرد...الذي عاشته معظم أقطار العالم العربي منذ سبع سنوات ، لم يشبع نهم أعداء هذه الأمة ، فعلى الرغم من الحرائق المشتعلة هنا وهناك ، وعلى الرغم من التذابح بين أبناء الوطن الواحد ، ثمة حرب تطبخ على نار حاقدة ، لن تسلم منها بقعة في الشرق الأوسط ، وستكون البلاد العربية وإيران ساحة الحرب الأساسية ، لا أميركا أو أوروبا ، وقد غدا هذا الأمر أقرب مما يتوقّع كثير من المحللين.
ما أحسّه هذه الأيام هو ما أحسسته قبيل حرب 5 حزيران سنة 1967 ، ففي الوقت الذي كانت فيه الأجواء آنذاك توحي بانفراج ، وكان الوسطاء الروس والدوليون يتنقلون بين العواصم ، بدأ العدوان الإسرائيلي بالهجوم على المطارات المصرية والسورية والأردنية ، لتحسم الحرب في الساعات الأولى من يوم الخامس من حزيران، وتهزم الجيوش ، وتضيع الأراضي ، ويشرّد الناس.. واليوم لا ارى إلا سماء ملبّدة بغيوم الحرب ، وحكاما مأزومين سيهربون إلى الأمام بافتعال حرب هنا وهناك ، فنتانياهو الذي يكاد حبل المشنقة أن يحيط عنقه ، لن يجد إلا الحرب ضد حزب الله ولبنان وسوريا وإيران ، يساعده ويدعمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب المأزوم هو أيضا بفضائحه الجنسية ، وبانقلاب اعوانه عليه ، وبورقة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.
نشرت الصحف الإسرائيلية في الآونة الأخيرة عددا من المقالات حول ضرورة تنحّي نتانياهو أو إدانته أو سجنه ، وها هو رجل أسراره شلومو فلبر الذي يوصف بالصندوق الأسود ، سيصبح الشاهد الملك الذي سيكشف فساد نتانياهو ، وها هي القاضية المتقاعدة هيلا غريستال التي يحاول نتانياهو تعيينها مستشارة قضائية للحكومة مقابل إغلاق ملف فضائح زوجته سارة، تفضحها الصحافة الإسرائيلية ، وها هو المفتش العام للشرطة روني آل شيخ ، يوصي بتقديم نتانياهو للمحاكمة بتهمة الرشوة ، ويصف المحيطين به بمنظمة إجرامية ، وذلك في رده على أعضاء الليكود في الكنيست الذين حاولوا ترهيبه.. فهل هناك مخرج من هذه الفضائح في إسرائيل وأميركا إلا بشنّ الحرب علينا ؟ ألم يصرّح نتانياهو من قلب أوروبا أنه لن ينتظر حتى يلتفّ الحبل على عنقه وأعناق أبناء الشعب اليهودي ؟
أجرى الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي مناورات ضخمة في شمال فلسطين تحاكي إمكانية نشوب حرب مع لبنان ومواجهة مع حزب الله ، وهذا ما يمكن أن نسحبه على ترمب الذي يحشد أساطيله وقواته في المنطقة ، ويهدد إيران بإلغاء الاتفاق النووي ، وإيقاف إنتاج الصواريخ ، إلى جانب معاناته في الداخل من أعوانه ووزرائه وأنصاره.
المنطقة برميل بارود قابل للاشتعال ، وعندما تنشب الحرب على أرضنا سنكون نحن وقودها وأكبر ضحاياها ، فسياسة إسرائيل منذ قيامها ألا تحارب على أرضها ، بل على أراضي الغير ، أي أنها دائما معتدية ، فهل نحن محتاطون للأمر؟