كتاب

هدنة شكلية في الغوطة الشرقية

عقب سلسلة من المفاوضات المكثفة شهدتها أروقة مجلس الأمن تبنى المجلس بالإجماع مشروع القرار الكويتي السويدي تحت رقم 2401، الذي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ولمدة ثلاثين يوما، ويطالب جميع الأطراف بتسهيل العمل الإنساني وفتح الممرات لإيصال المساعدات، كما يدعو القرار إلى رفع الحصار عن جميع المناطق، بما فيها الغوطة الشرقية التي يحاصرها النظام منذ عام 2013، وكانت الخلافات بشأن صيغة مشروع القرار أدت إلى تأجيل التصويت أكثر من مرة، وأكد دبلوماسيون في وقت سابق أن الإشكالية في الموقف الروسي الذي يريد ضمانات من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية تتعلق بالوقف الكامل للمعونات العسكرية والتقنية للجماعات المسلحة داخل الغوطة الشرقية.

من البديهي أن القرار يستثني القتال ضد تنظيمي «داعش» و«النصرة» باعتبارهما منظمات إرهابية حسب قرارات مجلس الأمن، وهي المسألة التي تجعل من قرار الوقف الفوري لإطلاق النار مسألة اختلافية، ذلك أن الهجوم الذي شنته قوات النظام السوري وحلفاؤها باسناد جوي روسي منذ نحو أسبوع جاء تحت ذريعة قتال الجماعات «الإرهابية»، وقد ارتفعت حصيلة القتلى جراء الغارات التي تشنها قوات النظام السوري منذ مساء الأحد 18 شباط/ فبراير على الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق إلى مقتل 500 مدني بينهم 96 طفلًا و61 امرأة، وإصابة 2116 شخصًا، وخروج 10 مراكز طبية وإسعافية ومشافٍ من الخدمة جراء استهدافها وفق ما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان مساء السبت 24 شباط/ فبراير الماضي.

كانت الغوطة الشرقية قد دخلت حيز اتفاقات مناطق خفض التصعيد، وهي ديناميكية ظهرت عبر مسار «أستانة» منذ يناير 2017 بضمانات روسية تركية إيرانية وخصوصا في مناطق الشمال، ثم جرى تعميمها في مناطق الوسط والجنوب بتفاهمات ووساطات متنوعة، إذ دخلت الفصائل الكبرى في الغوطة في مسارات التخفيض، حيث توصل «جيش الإسلام» برعاية مصرية روسية توسط به رئيس «تيار الغد» السوري أحمد الجربا إلى توافق على تخفيض التصعيد في الغوطة الشرقية في 22 يوليو/تموز 2017، كما وقع «فيلق الرحمن» التابع للجيش السوري الحر على اتفاق مع روسيا يقضي بانضمام الفصيل المعارض لاتفاق إقامة مناطق خفض التصعيد بسوريا في مايو/أيار 2017 في عاصمة كزاخستان، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 18 أغسطس/آب 2017.

على الرغم من اتفاقات خفض التصعيد لم ينقطع القصف بمختلف أنواع القذائف والأسلحة على أحياء الغوطة الشرقية، تحت ذريعة استثناء المنظمات الإرهابية من الاتفاقات، وهو ما سيستمر بذات الذريعة، فقد اتهم المندوب الروسى لدى الأمم المتحدة ، فاسيلى نيبينزيا، وسائل الإعلام الدولية بنشر معلومات مغلوطة حول الأوضاع فى الغوطة الشرقية، مشددًا على أن العالم يستقي المعلومات من مجموعة الخوذ البيضاء المرتبطة بالإرهابيين، وأضاف « نيبينزيا»، خلال كلمته بمجلس الأمن خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، لمناقشة الأوضاع فى الغوطة الشرقية بسوريا، أن الإرهابيين فى الغوطة يقصفون العاصمة دمشق بشكل دورى، مطالبًا بضرورة إظهار الصورة الحقيقة للأحداث فى سوريا، وشدد المندوب الروسى لدى الأمم المتحدة، على أن آلاف الإرهابيين متواجدين فى الغوطة، وتابع: «المسلحون يحتجزون المدنيين فى الغوطة الشرقية كدروع بشرية».

لا جدال أن الحديث الروسي حول آلاف الإرهابيين في الغوطة لاصلة له في الواقع، فقد تمكنت الفصائل الكبرى من تطهير الغوطة من أي تواجد لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مرحلة مبكرة، أما مقاتلي «جبهة النصرة» التي تحولت «جبهة فتح الشام» بعد أن قطعت صلاتها السابقة مع تنظيم القاعدة في يوليو 2016، ثم تحولت إلى هيئة تحرير الشام في يناير 2017، فوجودها في الغوطة لا يتجاوز بضع مئات، وتنتشر في بلدات عربين وكفر بطنا وجوبر، وكذلك حركة أحرار الشام التي تتمتع بوجود بضع مئات من المقاتلين، إضافة إلى فصائل صغيرة أمثال «فجر الأمة» وهو فصيل محلي غير مؤدلج في حرستا.

أما الفصائل الكبرى في الغوطة الشرقية فقد وقعت على اتفاقات خفض التصعيد، وبعتبر «جيش الإسلام» الفصيل الأكبر، ويتراوح عدد مقاتليه بين 10 و 15 ألف مقاتل. كانت النواة الأولى من جيش الإسلام بزعامة زهران علوش الذي قتل في سبتمبر 2015، قد ظهرت تحت اسم «سرية الإسلام»، ثم تطورت إلى «لواء الإسلام» وصولاً إلى «جيش الإسلام» في 30 سبتمبر 2013، ويمتاز الجيش بهيكلة عسكرية متماسكة، مقارنة بالتشكيلات الأضعف تنظيمياً في الجيش السوري الحر، ويعتمد على نواة محلية صلبة من أبناء مدينة دوما، أكبر مناطق الغوطة الشرقية، وهو يتبع مذهب «السلفية العلمية» الأقرب إلى المدرسة «المدخلية»، ويتمتع برعاية سعودية.

وبعتبر «فيلق الرحمن» ثاني الفصائل الكبرى في الغوطة الشرقية، وهو تشكيل عسكري تابع لـ»الجيش السوري الحر»، وكانت نواته الأولى «لواء البراء» الذي تأسس في أغسطس 2012، وبعد ازدياد الأعداد والانضمامات أواخر العام 2013، تحول الإسم إلى «فيلق الرحمن» بقيادة النقيب «عبد الناصر شمير» المنشق عن جيش النظام، بعد اندماج عدة تشكيلات محلية تتبع للجيش الحر وغير مؤدلجة في بلدات الغوطة الشرقية، وانضم إليه «الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام»، وهو تشكيل قريب من فكر الإخوان المسلمين، ويبلغ تعداده قرابة 10 آلاف مقاتل، وقد تلقى دعما دوليا ومن قطر، وينتشر الفيلق على أغلب محيط مدينة دمشق الشرقي، وعلى تماس مباشر مع قلب العاصمة في كل من جوبر وزملكا وعين ترما، وعلى امتداد بلدات الغوطة الشرقية في كل من عربين ومديرة وكفر بطنا وجسرين وبالا وزبدين ودير العصافير وحتيتة الجرش ومرج السلطان، بالإضافة للقلمون الشرقي والغوطة الغربية.

على مدى سنوات لم تنقطع المعارك بين فصائل الغوطة الشرقية بسبب الخلافات الإيديولوجية وصراعات النفوذ والسيطرة، فقد دخل فيلق الرحمن في أكثر من مواجهة عسكرية مع جيش الإسلام بسبب وقوفه إلى جانب «هيئة تحرير الشام»، وجماعة «الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام»، حيث أسفرت المواجهات عن سقوط مئات القتلى، وكانت أبرز المواجهات قد وقعت في نيسان 2016 وفي نيسان 2017، وقد استثمر النظام السوري حالة الاقتتال الفصائلي بتحقيق تقدم وفرض مزيد من الحصار.

رغم الحديث الدولي عن صعوبة الوضع الإنساني وعن الجحيم في الغوطة، والتوصل إلى قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، إلا أن ذلك لن يحول دون اقتحام قوات النظام للغوطة الشرقية، فذريعة محاربة المنظمات الإرهابية تجعل الأمر مختلطا، نظرا لصعوبة التحقق من هويات الإرهابيين المفترضين، حيث قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، أن إيران وسوريا ستلتزمان بقرار مجلس الأمن حول وقف إطلاق النار، ولكنه اعتبر أن بعض أقسام ضواحي دمشق، التي قال إنها تخضع لمن وصفهم بـ»الإرهابيين» ستبقى خارج قرار وقف إطلاق النار «وستستمر عمليات تطهيرها من الإرهاب» في إشارة إلى نية مواصلة العمليات بالمنطقة.

لا شك أن ديناميات الصراع السوري الذي تحول صراع دولي يسير باتجاه طرائق جديدة من حروب المصالح، وإذا كانت أمريكا تفرض سيطرتها على قرابة ثلث الأراضي السورية في الشمال الشرقي من خلال دعم قوات سوريا الديمقراطية بمكوناتها الأساسية الكردية، وتعمل تركيا على اقتطاع مناطق شمالية بدعم قوات درع الفرات، فإن روسيا وإيران يعملن على تأمين بقية المناطق بأي ثمن، فقد حشدت قوات النظام على الأرض تشكيلات عسكرية متعددة لاقتحام الغوطة، وأبرزها «قوات النمر» بقيادة العميد سهيل الحسن، وسوف تستمر بالضغط للانتهاء من كافة الجيوب حول دمشق والانتقال إلى الجبهة الجنوبية والنهاية في معركة إدلب الكبرى، وهكذا لن تتعدى الهدنة في الغوطة الحدود الشكلية.

.