كتاب

حين يحاولون ضرب (الثالوث) الأردني المقدس

يقوم الأردن في تكوينه على ثالوث مقدس هو المواطن والعرش والدولة، هذا الثالوث الذي هو الكل الواحد (الوطن) لا يمكن تخيله من دون أحد أضلاعه الثلاثة، ومن هنا فإن ما يحدث من (خربشات) من قبل بعض من يدعون المعارضة لا يجب السكوت عنه لأنه يمس الوطن عبر مساسه بالروابط بين ثالوثنا الأردني المقدس، حيث قد يبدو لمن يرى المشهد بعجالة أن ما يحدث من تجاوز للخطوط الحمراء غير مقصود وغير مدروس، إلا أن المتفحص لسير الأحداث والقارئ لما بين السطور والقادر على ربط التطبيق بالفكرة يجد أن ثمة عمل مدروس وممنهج في اتجاه خطير، وهو فك الترابط بين أضلاع الثالوث الوطني المقدس عبر التشكيك في العلاقة الرابطة كل ضلعين معاً.

فما تريد أن تفعله بعض الجهات، التي تحاول الاستفادة من الحق المشروع للأردنيين بالتعبير عن رأيهم وموقفهم، هو بث الشك لدى المواطن في علاقته مع الدولة وفي علاقته مع العرش، ويأتي ذلك من خلال الكلام الدائم عن الفساد والمفسدين، بحيث يصبح أي اجتهاد من قبل مؤسسات الدولة يحمل في ذاته شبهة الخطيئة وأي قرار تتخذه مؤسسات الدولة يحمل في ذاته شبهة الفساد، وبالتالي فأي مسؤول هو فاسد أو مفسد ما لم يثبت العكس، وهو ما يرتد سلباً على علاقة المواطن بالدولة، فبدلاً من كونهما يتحدان في الكل الواحد (الوطن) يدخلان في صراع الأضداد القائم على تصور (إما أنا أو هو) فيتحول الصراع إلى صراع وجودي يقف فيه المواطن على الجانب الآخر من الدولة، مما قد يستتبع وقوف الدولة على الجانب الآخر من المواطن، وحينها لن يخرج منتصر من الصراع ولن ينفع الخاسرين الندم.

ولا تتوقف هذه الجهات عند هذا الحد بل تدخل لـ(تلعب) بخبث في منطقة محرمة أخرى وهي العلاقة بين المواطن والعرش، فالمراقب العرضي أو المدقق المتخصص يدرك أن ثمة علاقة خاصة وفريدة بين المواطن والعرش في الأردن، هذه العلاقة لم تأتِ من قبيل المصادفة، أو بمجرد مرور الوقت، بل هي كأي قصة حب ناجحة، لم يكتفِ فيها الطرفان بتوافق (كيمياء) الحب، بل عملا على تقوية هذه العلاقة وتغذيتها بسلوك متواصل، حتى صارت الأغاني التي تتغنى بالملك والهاشميين والجيش من الأغاني التي يشبك بها الأردنيون أياديهم معاً ويقيموا حلقة الدبكة، وفي تسامي هذه العلاقة أطلق العرش هتافاً طرب له الأردنيون وما زالوا يطربون عند سماعه أو ترديده (الإنسان أغلى ما نملك).

وحين تدخل الجهات الحاقدة على الأردن هذه المنطقة تدرك ما يمكن أن تواجهه من صعاب، فتحاول في طريقة مدروسة إظهار أنها جزء من النسيج الإنساني في هذا الوطن، وأنهم مع الإجماع الأردني على العلاقة والدور المميز للعرش، ولكن... وهنا تكمن الخطورة، فكما يقول الفرنسيون (ما بعد لكن أهم مما قبلها)، فيكيلون الانتقادات والادعاءات بأمل إحداث تشققات طولية وعرضية في علاقة المواطن والعرش، أو خلق حالة من عدم اليقين كافية كي يتسللوا من خلالها وبث آرائهم ومواقفهم من دون أن يتم فحصها أو التدقيق فيها، لتتحول مع الأيام إلى حقائق لا يطالها السؤال أو التشكيك.

أما المرحلة الثالثة فهي ستكون محاولة ضرب علاقة العرش مع الدولة، وقد حاولوا سابقاً الذهاب إلى تلك المنطقة الخطرة، ورغم عدم نجاح تلك المحاولات إلا أنها تظهر إلى أي مدى ستصل محاولات الرافضة لضرب (الثالوث المقدس) للكل الواحد (الوطن)، فهم أدركوا أن العلاقة بين العرش والدولة ما زالت صلبة، لكنهم يراهنون على تبدل الأحوال بتبدل الأزمان، فالمؤسسات في الدولة تتشكل من مجموع المواطنين، وفي اللحظة التي يدخل الشك فيها عقلية المواطن سينعكس على شكل أداء ضعيف سيقدمه للمؤسسة، حينها سيطال الشك المؤسسات القائمة وقدرتها على إحداث الإنجازات المطلوبة منها، ويدخل الوطن كله دائرة النار.

ما أراه أن ما يقوم به البعض خلال الفترة الماضية محاولات جادة لتفكيك الروابط بين الثالوث الأردني المقدس (المواطن والعرش والدولة)، دون امتلاكه لمشروع بديل للاصلاح يطرحه علناً، حتى ليبدو لي أن ثمة ما يحاك في الخفاء، وعلى الدولة والعرش اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة والضرورية حتى لا يصل الشك بضعف الدولة وعدم امتلاكها لحلول أو إجابات قلب المواطن، وهو ما يتطلب اجتراح حلول خاصة لهذه المرحلة الخاصة، فالسياسة فن وحكمة وموقف ورأي معجونين بدهاء.