نشرت الرأي بتاريخ 24/6/2017 مقالاً لي عنوانه «تقرير اللجنة الملكية لتطوير الجهاز القضائي وتعزيز سيادة القانون». وكان دولة زيد الرفاعي الذي عينه جلالة الملك عبدالله الثاني بتاريخ 18/1/2016 ليرأس اللجنة الملكية لتطوير الجهاز القضائي قد قام بعد انهاء المهمة الموكلة له بتقديم التقرير والتوصيات لجلالته في 1/2/2017. وهنا وددت ان اعود بموضوع القضاء والتشريع الذي بدأ قبل (86) عاماً اي في عهد الامارة وقيادة المغفور له بإذن الله الشهيد والملك المؤسس عبدالله الاول اي ان الاردن كان وسيظل بلد القانون والتشريع والنظام بقيادة الهاشميين.
لقد عمدت الدولة العثمانية المحتلة الى الاخذ بكافة القوانين الفرنسية ما عدا الامور الجزائية كنظام المحلفين لتطبيقها على المواطنين العرب وسبب ابتعادها عنه هو وضعها كدولة محتلة تفتقر الى مضمار التمدن والرقي والحضارة، مما حدا بها لاناطة شؤون المحلفين لقضاة المحاكم انفسهم. والاهم انها كانت تكتفي بان يكون رئيس محكمة الجنايات شخصاً مثقفاً وخريجاً من معهد الحقوق لا اكثر. اما الاعضاء الاخرون بالمحكمة فيتم انتخابهم من قبل الاهالي فيعينون ويكون غالبيتهم اميين وقد شكل ذلك خطورة. فالعدالة كانت تسيرها منافعهم الشخصية وغالباً ما يتفقون ضد الرئيس فيزهق الحق وتعم الفوضى في القضاء.
وظل نظام تشكيل المحاكم سارياً وسيئاً حتى انسحب الاتراك المحتلون في (ايلول 1918) ومرت البلاد لفترة لأحكام عسكرية ثم اعيد تشكيل المحاكم في عهد الحكومة العربية الفيصلية بالطريقة كما كانت زمن الحكومة العثمانية. واعيد تشكيل محكمة البداية من 3 قضاة (اثنان بالانتخاب). لكن ذلك لم يدم طويلاً بسبب عدم التزام الفرنسيين الذين احتلوا سوريا بالعهود. ثم تم انفصال شرق الاردن عنها.
وفي 1/3/1921 قدم البلاد جلالة المغفور له الشهيد الملك عبدالله بن الحسين وكان اميراً فشكل اول حكومة برئاسة رشيد بك طليع وعين مظهر ارسلان مشاوراً اي (وزيراً) (للحقانية) اي للعدالة فيها. فكان اول قانون لتشكيل المحاكم الاردنية وسميت (حكومة الشرق العربية) وقسم القانون المحاكم الى (1) شرعية. (2) نظامية. (3) عشائرية. (4) عسكرية. والنظامية الى (1) بدائية. (2) استئنافية. واحدثت 3 محاكم بدائية في السلط والكرك واربد.
وشكلت محكمة الاستئناف من رئيس واربعة اعضاء. وظل انتخاب الاعضاء سارياً حتى 1926 حيث عين اول مستشار بريطاني للعدلية هو (المستر سيتون) فأعاد النظر في قانون تشكيل المحاكم. فأصبحت محكمة البداية مؤلفة من قاضيين فقط، وتنظر في القضايا الحقوقية والجزائية على السواء. اما محكمة الاستئناف فاصبح نصابها ثلاثة قضاة وفي حالة الاختلاف يصدر القرار بالأكثرية. وطرأ ايضاً تعديل جوهري على اصول المحاكمات الحقوقية والجزائية فأنيط بالنيابة العامة والتحقيق والاتهام، والغي فصل (التمييز) واصبحت محكمة الاستئناف محكمة موضوع وقانون اي مميزة بين قسم الحكم واعادته لمحكمة الدرجة الاولى. او المحكمة مجدداً من قبلها وتم ايضاً بعض التعديلات في اصول المحاكمات الحقوقية بإلغاء المواد العثمانية غير العادلة. كذلك تعديل قانون حكام الصلح.
والخلاصة ان القوانين العثمانية بقيت مع نظام تشكيل المحاكم سارية المفعول حتى (1/8/1951) حيث جرى توحيد قوانين الضفتين الجزائية مع اصول المحاكمات الحقوقية. وفي نفس العام صدرت عدة قوانين (العقوبات، اصول المحاكمات الجزائية، تشكيل المحاكم الشرعية، حقوق العائلة تشكيل المحاكم النظامية، تسوية الاراضي والمباني، المحاكمات الشرعية، قانون التحكم والتصرف بالأموال غير المنقولة واصلاح الاحداث.
وفي عام 1954 اصبحت القوانين المهمة المرعية في المملكة قوانين محلية جديدة وليست عثمانية. لقد حاولت لجنة توحيد القوانين التوفيق بين مبادئ القضاء الفرنسي التي كانت سائدة في الضفة الشرقية والانجليزي التي كانت سائدة في الضفة الغربية. لكن ذلك اوجد تنافراً وتناقضاً للقانون الموحد ورد في المحاكمات الحقوقية والصلحية. اما المحاكم في الاردن فأصبحت (اولاً) المحاكم النظامية. (2) محكمة التمييز وعدل عليا في عمان. (3) محكمتان للاستئناف (عمان والقدس) (4) محاكم البداية للألوية عمان، السلط، اربد، الكرك، القدس، نابلس، الخليل. (5) محاكم صلح (مراكز الاقضية). (6) النيابة العامة. تتألف من رئيس ونائبين (لعمان والقدس) ومدعين عامين لثمان مدن (7) قاضيان لمحكمة تسوية الاراضي. (ثانياً) المحاكم الشرعية: (1) محكمة استئناف في عمان (لها رئيس مع اعضاء) (2) محاكم شرعية في جميع الالوية والاقضية. (ثالثاً) المحاكم الطائفية: (1) الروم الارثوذكس. (2) اللاتين. (3) البروتستانت (4) الروم الكاثوليك. (5) الارمن الارثوذكس والارمن الكاثوليك.
لقد تميز القضاء الاردني بالاستقلال وعام 1955 وضع قانون استقلال القضاء. اي ان المجلس القضائي هو المخول باي احالة او استغناء او نقل اي قاض. من المهم التذكير بأوائل رؤساء محاكم الاستئناف (1) رافت الدجاني (921 -922) (2) صالح بسيسو (927 – 931) (3) توفيق سنو (1931 -1936) عارف عنبتاوي (939 -940) محمد الداود (940 -947). موسى الساكت (947 – 951) نواف الروسان (951 -952) بهجت التلهوني (952 – 953) بشير الشريقي (953 -954) نجيب الرشدان (955 – 956) عبدالله نصير (956 -958). عبد الرحيم الواكد (1958) اما رئاسة محكمة الاستئناف فتولاها ابراهيم هاشم (922 – 927) ورئيس محكمة التمييز – ماجد عبد الهادي ثم خلفه علي مسمار.
ان منصب القضاء الاردني استمر واتصف بعلو المكانة وعظم المسؤولية. وقد كان ولايزال قضاة هم محل الثقة والاحترام لا يأبهون لشيء غير الشرف والعدالة ولا يخشون في الحق لومة لائم ويحكمون بين الناس بالعدل والقسطاس.