من يقرأ التاريخ بانتباه يلاحظ أن المنطقة التي نعيش فيها هي مهد الحضارات القديمة ومنبع الأديان السماوية وموطنها، ومصدر الثروات والرفاهية، لذلك هي بوابة الحروب المتواصلة وساحة الصراع الأبدي. ولكن ما حفظه التاريخ القديم، وايضا التاريخ المعاصر، يثبت أن الاقتصاد له الدور الأكبر في احتدام الصراع بين الأمبراطوريات والدول التي كانت، وما زالت، تسعى الى توسيع مجالها الحيوي وتعزيز مصادر ثرواتها، واعتقد أن النفط والغاز من العناصر الأهم الجاذبة لجيوش ونفوذ الدول الكبرى، ومبعث اهتمامهم بالمنطقة، وقد يكون السبب الأوحد في نشوب الحروب المعاصرة، حتى لو اخذ الصراع مسميات دينية أو سياسية أو انسانية، فقد تتعدد الشعارات والعناوين والأسباب ولكن الهدف واحد.
هذه المقدمة تقودنا للوقوف قليلا أمام المشهد الدموي في سوريا، وقراءة تفاصيل ما يحدث، بعين محايدة وبعيدا عن التعصب والانحياز، بعدها سنجد أن رائحة الغاز والنفط ممزوجة برائحة البارود، رغم البكاء الألكتروني المضحك على الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان.
هذه الرائحة التي تفوح من ساحات القتال في المناطق السورية كافة، قد تكون من عوامل ادامة الاشتباك حتى تدمير البلاد وتفكيك الدولة وتقسيم الأرض والشعب، ليس لأسباب اسرائيلية فحسب، بل لخلق شراكة غاز « كارتل غاز « في المنطفة بقيادة اسرائيلية في مواجهة الغاز الروسي.
منذ بداية احتلال العراق، كنا على يقين بأن الحملة العسكرية الأميركية لن تتوقف، لأن سوريا ستكون هدفها الآخر. ومع اكتشاف حقول النفط في في شاطئ البحر المتوسط الشرقي الممتد من جنوب قبرص حتى بحر غزة، تعزز هذا اليقين لدرجة الجزم بأن سوريا ستتعرض للغزو عسكري اميركي غربي، رغم أن المشروع المقرر كان هدفه وما زال، اعطاء الحرب في سوريا وعليها، شكل الحرب الأهلية الداخلية بين المعارضة والنظام، عبر تنظيمات ارهابية دولية مدعومة اقليميا ودوليا، اضافة الى وجود قواعد عسكرية اجنبية في الشمال السوري، وهي قوات احتلال بكل المعايير والقوانين الدولية.
الهدف من هذه الحرب التي اجتازت سنواتها السبع، ولم تتوق بعد، هو تفكيك الدولة واقامة دويلات عرقية وطائفية موالية للغرب، لا حول لها ولا قوة، وبعدها يتم انهاء الصراع العربي الاسرائيلي وتصفية قضية الشعب الفلسطيني بلا ثمن. هذا الواقع الذي انتظرته الولايات المتحدة، سيغير كل المعادلة في المنطقة بما فيها لبنان، بحيث تتم السيطرة على كافة حقول الغاز في المتوسط.
توقعنا ذلك في بداية الحرب في سوريا، ونكتب عن هذه المسألة اليوم، في ظل ظروف جديدة، وبعد الكثير من التطورات المتسارعة التي غيرت الواقع لصالح الصمود السوري، وهو الصمود الذي جعل الرياح تجري عكس ما اشتهت واشنطن وتل ابيب. لذلك تحاول اسرائيلي استفزاز لبنان عبر التلويح بحصتها المزعومة في الحقل رقم 9 الواقع داخل المياه اللبنانية في الجنوب، بهدف الابتزاز ، أو بهدف خلق اجواء متوترة في لبنان ومعه، أو ربما لتصدير ازمة نتنياهو الداخلية الى الخارج، لكسب المزيد من الوقت.
في النهاية اريد أن اقول هنا أن رائحة الغاز تفوح من الحرب في سوريا وعليها وحولها، وان اهداف واسباب اطالة امد الاشتباك أصبحت واضحة والأطراف المتواطئة اصبحت مكشوفة ومعروفة، وهي التي تعرقل تحقيق الحل السياسي في سوريا.