لم تدهشني كلمة نائب الرئيس الأميركي في الكنيست ، ولا وعد ترمب لقادة الصهيونية الأميركية حول نقل السفارة ، أو اعترافه بالقدس عاصمة ابدية « للشعب اليهودي « ، فانا اعرف كيف نجحت الصهيونية باعادة تشكيل وعي والمواطن والمسؤول في الولايات المتحدة ، وهو الوعي الخارج من رحم الخرافة والتاريخ الوهمي ، على قاعدة العهد القديم ، وتعاليم كنائس الطوائف المسيحية المتجددة ، وقناعات المنتسبين اليها من المحافظين الجدد .
كذلك سيطرت الحركة الصهيونية على البنوك وبيوت المال في أميركا ، كما هيمنت على الصحافة والثقافة ووسائل الأعلام والشاشتين الكبيرة والصغيرة ، وأعني السينما والتلفزيون ، وبالذات صناعة السينما وتصدير الأفلام الى جمهور السينما في العالم ونحن منه طبعا . واللافت ان معظم المخرجين والمنتجين والممثلين وكتاب الروايات السينمائية وقصص الأفلام من اليهود ، وهذا الواقع مكّن الحركة الصهيونية من تطويع الوعي الجمعي الأميركي ، كما نجحت الصهيونية في تسخير كل وسائل الأعلام والمعرفة لمصلحة اسرائيل .
هذه القوة المهيمنة دفعت ، بل اجبرت ، الأدارات الأميركية المتعاقبة على الانحياز الدائم لمصلحة اسرائيل وامنها ، الى أن جاءت هذه الدائرة اليمينية العنصرية المتطرفة التي تحاول فرض « العصر الأسرائيلي « في المنطقة العربية ، مستغلة مساحة الصمت العربي الممتدة من المحيط الى الخليج ، اضافة الى العبث المفتوح على سياسة اللامعقول ووجود العقل المساوم المهزوم . والغريب أن بعض المثقفين والكتاب العرب من الواهمين ارادوا اللحاق بالركب باسم الواقعية ، وهرولوا مبكرا باتجاه مستقبل العلاقات مع اسرائيل والتطبيع معها ، باسم « المصالح القطرية الضيقة « ، أو تحت غطاء معاهدة السلام الفلسطينية الأسرائيلية « اتفاق اوسلو» ، لذلك كان الصمت لدرجة الموت تجاه القرار الأميركي حول القدس ، وهي حالة عربية غير مسبوقة !!
سبق ذلك عمليات تمهيد لكسر الحاجز النفسي عند العرب من خلال بعض الفضائيات العربية التي بدات مبكرا بادخال الأسرائيليين الى بيوتنا ، وبث افلام سينمائية أميركية كانت محظورة في الزمن العربي ، وهي افلام منحازة لاسرائيل وللفكر الصهيوني ، وهي مبادرة تمهد لدخول « العصر الأسرائيلي « ، وهنا تذكرت ما كتبه الشاعر الراحل محمود درويش في رسالته الى الشاعر الراحل الآخر سميح القاسم بتاريخ 22 من تموز عام 1986حيث نبه من قدوم العصر الأسرائيلي فقال :» شالوم عزيزي سميح شالوم .. هل تذكر العهد الذي كانت فيه السياسة العربية تستنجد باميركا لتحميها من طيش اسرائيل ، لقد امتد بنا الأجل لنرى كيف تستنجد السياسة العربية باسرائيل لتحميها «!!
في خضم هذا الواقع العربي المأساوي استوقفني حديث يهودي اميركي متدين حول الموقف الأميركي الأسرائيلي من قضية القدس ، وهو موقف تجاوز الكثيرين من المفكرين العرب ، قال :» السياسيون الأميركيون لا يفهمون حقيقة الصهيونية ولا يفرقون بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كحركة سياسية ، لذلك قال ترمب أن « القدس عاصمة للشعب اليهودي « فالشعب اليهودي ليس له دولة ولا عاصمة سياسية ، ويهود العالم يصلّون باتجاه القدس لأنها مدينة مقدسة ، وليس لأنها عاصمة لليهود ، ولكن الصهيونية استخدمت الكتاب المقدس للأستيلاء على الأرض ، حتى نتانياهو سياسي غير متدين ويعارض الدين اليهودي «.
واضاف فقال :» انا مواطن اميركي من نيويورك جنسيتي أميركية وديانتي اليهودية ، انا متدين ولكن لا علاقة لي باسرائيل لأنها ليست الشعب اليهودي بل هي اعتداء على الدين ، لأن الصهيونية تريد تحويل الدين الى قومية «.
في النهاية اقول ان الصهاينة احتلوا الأرض والجغرافيا ، ويريدون اليوم احتلال التاريخ والذاكرة ، وبالتالي أنتزاع القضية الفلسطينة من الذاكرة العربية ، عبر مشروع كبير هدفه طمس الهوية القومية واستبدالها بالهوية الدينية ، ولكن ستجري الرياح في الأتجاه المعاكس حتما ، لأن القادمين من الخراقة والتاريخ المهزوم لم ولن ينجحوا في كسر روح وارادة الأمة ، ولأن فلسطين ليست الأندلس ، والقدس ليست قرطبة أو غرناطة .