مع إقرار قانون التعليم العالي والبحث العلمي الجديد تتهيأ الأوساط الاكاديمية لتطبيقه بحيث يكون نافذا مع صدور الإرادة الملكية، وهذا يقتضي ان تبادر الجهات المعنية بالاكاديميا الاردنية؛ وزارة التعليم العالي والجامعات الى تجديد خطابها الاكاديمي وتحديثه بأسلوب عصري يؤكد دور التعليم العالي والجامعات في التنمية والتطوير والتغيير في قطاعات المجتمع الاردني كافة، فلا مؤسسة ناجحة دون تعليم يمتلك جودة عالية، والتعليم العالي في الاردن على الرغم من الهجمة الشرسة التي يتعرض لها بين حين وآخر بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل مجموعات استمرأت الاساءة للجامعات ومنجزاتها ما زال يمتلك أنموذجا متزن نفاخر به داخل الأردن وخارجه، ومنذ تخرج الفوج الاول منتصف ستينيات القرن الماضي في الجامعة الأردنية لا تتوقف الأكاديميا عن دورها، تعطي بلا هوادة، وتنشد الإبداع والتميز في كل مراحلها، وتواجه تحديات كثيرة في ظل نقص التمويل،–مما ينعكس في مفاصل العملية الإكاديمية برمتها-، أقول؛ تجديد الخطاب الاكاديمي لا يتم دون تمويل متوازن يعطي الجامعات حصتها المالية التي تحتاجها كاملة، ويعرف الجميع أن ضريبة الجامعة التي استولت عليها وزارة المالية قبل تسع سنوات كانت تمول احتياجات الجامعات كاملة؛ لكن الجامعات اليوم لا تملك القدرة على تجديد احتياجاتها العلمية من مختبرات وايفاد وتميز وجودة وبنية تحتية، وبالتالي يجب ان تعود بقوة القانون لكي تعيد للبرامج الأكاديمية حياتها وتميزها ومنافستها ومواكبتها لكل جديد، خصوصا أنّ بعض الجامعات على أبواب الافلاس؟! والمفلس لا احد يطالبه بشيء؛ لانه لا يملك القدرة على الحركة..
نريد للخطاب الأكاديمي الجديد ان يتجاوز الروتين، وان يكسر قاعدة السكون، وان تكون سياسته الإبداع والاحترام والمحبة والحوار والعمل في مختلف الحقول الأكاديمية، وأن يترك المألوف في الحياة الأكاديمية، نريد خطاباً يُشعر الجميع انهم في مركب واحد؛ مصلحتهم مصلحة المؤسسة والتعليم العالي، وإبداعهم طريقهم للتميز والمنافسة، نريده كاملا منفتحا مؤمنا برسالة العلم والمعرفة، يردم الصعاب، يقلب الصور النمطية أنى كانت، ويعيد للتعليم العالي والجامعات ألق الماضي بثوب عصري جَديد، يعرف أنّ لغة الكراسي والغرف المغلقة والخطط المكتوبة يجب ان تخرج إلى الميدان والعمل، ولا يجوز ان تبقى الاتفاقيات الأكاديمية رهينة الأدراج، ويجب بث روح المثابرة والابداع من جديد بدماء جديدة تعطي بلا هوادة، والاردن والتعليم العالي والجامعات كافة ينتظرون ثورة علمية ومعرفية جديدة وخطاب يقلب السكون، وقيادات تمارس صلاحياتها لأحداث التغيير المطلوب؛ قيادات تشعر بالثقة والاستقلالية بعيدا عن لغة المحاسبة والتشكيك والاطاحة واقتناص الفرص، واقول أعان الله رؤساء الجامعات على كثرة المنظرين وكارهي النجاح الذين لا هدف لهم غير وضع العصي في الدواليب والقصص امام الجميع فكم رئيس ناجح لاقى هجمة شرسة؛ لأنه قلب سكون جامعته ونفذ سياسة إصلاح لا تبقي حجرا على آخر، ولذلك على الخطاب الأكاديمي الجاد ألا يلتفت لكارهي النجاح مهما تعالت الحجج والمسوغات.
تجديد الخطاب الأكاديمي غدا ضرورة ؛ لأن العالم يتقدم، ويجب أن نرى مبادرات إصلاحية تشمل نظام التعليم برمته، ونظم البحث العلمي والإدارة، والامتحانات والمحاضرات، وأساليب التدريس والتحول الى التعليم المدمج والإلكتروني الذي يقلل الوقت والجهد ويعطي الطالب القدرة على التعلم الذاتي والتميز العلمي بحيث ينعكس على الطلبة والهيئات التدريسية، إصلاح لا يلتفت إلى الوراء، ولا يأخذ برأي الأقلية، إصلاح لا يتعارض مع الحريات الأكاديمية وإنما يعززها، والحرية الأكاديمية لا تتجاوز أنظمة الجامعات وقوانينها، والإصلاح يعني الانفتاح وقبول كل الآراء، لا أن تقتصر الآراء على فئة دون أخرى، ويجب أن يشارك الجميع الكبار والصغار من الأكاديميين، وينبغي أن يعرفوا أن الحرية الأكاديمية لها حدودها وضوابطها وشروطها ولا يجوز تأويل نصوصها التي اكتسبت شرعيتها عبر السنوات في إطار قوانين وأنظمة واضحة.
مطلوب تجديد الخطاب الأكاديمي كي تنفتح الجامعات على قواعدها الأكاديمية، مطلوب إستقلالية حقيقية للجامعات مالية وإدارية، مطلوب ان تدعم الجامعات بالمال كي تطور برامجها وخططها وبنيتها التحتية، مطلوب من المجتمع بكل اطيافه وفئاته وأغنيائه ان يدعموا فكرة الوقف الجامعي لحساب الجامعات، مطلوب من الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني ان تقف مع فكرة التجديد بالدعم والتوجيه ورفض الاساءات التي تتعرض لها منجزاتنا وجامعاتنا ونظامنا التعليمي برمته، ومطلوب من الحكومة وأغنياء البلد ان يخصصوا المال الكافي للجامعات كي تنافس ارقى الجامعات في العالم.