صدر للدكتور سميح مسعود مؤخراً كتاب «حصاد السنين» والذي يحمل عنواناً فرعياً هو «مذكرات بعد التقاعد». وربما كان يراد منه أن يكون تفصيلاً لأعمال هذا الكاتب والأديب الفلسطيني أكثر من كونه سيرة تفصيلية لحياته، لذلك جاء أقرب إلى ملخصات لأعماله الفكرية منه إلى سيرة حياة؛ وربما يكون السبب في ذلك أنه نشر كتباً عدة قبل هذا الكتاب منها «حيفا.. برقة – البحث عن الجذور» في أجزاء ثلاثة اشتملت على تجربته ومعاناته الشخصية؛ والعارف بشخصية الكاتب يعلم أن سيرة حياته مجبولة بحيفا وكل فلسطين التاريخية.
وعلى أيّ حال، فإن هذا الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون»، يستعرض إنجازات مسعود بأسلوبه السلس والشيّق والمفعم بالعاطفة الذي عودنا عليه بدءاً من أعماله في الاقتصاد التي بدأها خلال دراسته في يوغسلافيا ثم استمرت إلى أن ارتحل إلى الكويت وعاش في الشتات بعد نكسة 1967، إلى أن تقاعد قبل عقد من الزمان ليستقر في كندا صيفاً كمواطن كندي، حيث أسس هناك المركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط، أما شتاءً فيحلّ ضيفاً على الأردن والإمارات.
يحمل د.سميح مسعود في الكتاب هموماً عدة رافقته خلال مسيرة حياته، ويمكن القول إن أولها كان هاجسه بالوحدة العربية، إذ يتمظهر هذا الهاجس من خلال مجموعة كتبه ومقالاته المتنوعة حيث كان يعتقد أن التكامل الاقتصادي بين الدول العربية لا بد أن يكون مقدمة لأيّ وحدة عربية في المستقبل. لذلك يتبدى لي أنه كان يسوغ انشغاله بالاقتصاد بمشروعه الوحدوي. وقد استمر نضاله الفكري بعد تقاعده عبر المركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط، حيث يشير إلى أن المركز كان يستهدف المساهمة في تعزيز التنمية العربية الإنسانية الشاملة، بما فيها مجالات إحقاق الحقوق والحريات الإنسانية والديمقراطية وتمكين المرأة العربية، وهذه الأهداف نجدها أيضاً واضحة المعالم في مشاريعه الفكرية التي كانت تستهدف الإصلاح السياسي والاقتصادي والمؤسسي والتعليمي وتأسيس منظمات المجتمع المدني وحل مشكلات البطالة وتمكين المرأة العربية وإصلاح التعليم ونشر الوعي البيئي العام.
وقد أسهمت نشاطات مسعود الاجتماعية والثقافية في كندا، في تقديم هذه الطروحات لطلبة الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني على وجه الخصوص. كذلك كانت السياسة حاضرة دوماً في مناقشاته وأفكاره، ويتضح ذلك من عنوان محاضرته الأولى لطلبة فلسطين في جامعة كونكورديا بمونتريال الكندية تحت عنوان: «اتفاقية أوسلو قضية لا تُغتفر»، حيث أفضت المفوضات السرية إلى اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق الكيان الإسرائيلي بالوجود كدولة مقابل اعتراف الكيان بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني.
بمعنى آخر، رأى سميح مسعود أنه لم يكن هناك اعتراف واضح بالدولة الفلسطينية. كذلك فقد علّق اتفاق أوسلو المشكلات المعقّدة التي ما زالت على حالها إلى اليوم، كالوضع النهائي للقدس، واللاجئين، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والعلاقة مع الدول المجاورة. وتتضح مصداقية رؤى د.سميح من تبعات هذا الاتفاق التي نشهدها اليوم في انتفاضة القدس الأخيرة بعد قرار الرئيس الأميركي ترامب.
والحق أنه مكانة القدس ليست وحدها التي ظلت عالقة، بل لم يتم في اتفاق أوسلو الإشارة إلى تعبير «الدولة الفلسطينية»، ولم تتم الإشارة إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، والتوقف عن بناء المستوطنات. كذلك يشير الكاتب إلى مخاطر اتفاق باريس الاقتصادي الذي جعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للاقتصاد الإسرائيلي، وحسمَ مسعود رأيه في أن إحدى المشكلات الأساسية تمثلت في أن الذين قادوا التفاوض كانوا بضعة أشخاص حملوا على عاتقهم تأجيل حل القضية الفلسطينية للحصول على بعض الامتيازات المؤقتة، الأمر الذي أثبتته الأيام بأن اتفاق أوسلو «عاد بالوبال على الشعب الفلسطيني أكثر مما فعل وعد بلفور» (ص47).
ويستعرض الكتاب تجارب دول أميركا الجنوبية في تحقيق التحول الديمقراطي كأمثلة معاشة، للتعلم منها في العالم العربي، ويتحدث عن أزمة قادمة فيما يتعلق بزيادة عدد السكان، حيث يتوقع أن يصبح سكان الدول العربية 484 مليون نسمة في عام 2025، الأمر الذي سيعيق النمو الاقتصادي المتوازن ويشكل تهديداً كبيراً لمشروعات التنمية في العالم العربي؛ وهذا ما يمكن ملاحظته اليوم من حيث النقص الشديد في عدد المساكن والمياه والطاقة والخدمات وارتفاع مستويات التلوث في المدن ورداءة الخدمات فيها وتخلفها وارتفاع معدلات الفقر وانتشار الإرهاب. وبالرغم من ذلك فهو يطالب أيضاً بإصدار التشريعات المناسبة للقضاء على جميع أشكال التمييز الموجه ضد المرأة. إخاله مدركاً أن تحرر المرأة مرتبط بتحرر الرجل أيضاً من القمع السياسي وهيمنة اقتصاد السوق.
وفي الكتاب استعراض لقائمة طويلة من الأفلام الوطنية المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي تم عرضها في مونتريال بكندا، وهي مناسَبة لإعادة التأكيد على أهميتها، وربما إعادة عرضها بشكل أو بآخر في الوطن العربي، نذكر منها: «النكبة» للمخرجة روان الضامن، و»الجدار العازل» للمخرج محمّد العطار، و»احتلال 101»، و»جنين جنين» لمخرجه محمّد بكري، و»ظل الغياب» للمخرج نصري الحجاج الذي أرّخ لقبور الفلسطينيين في الشتات خارج فلسطين كي تظل ذكرى المناضلين باقية.
ومن الأفلام اللافتة أيضاً فيلم «5000 دونم على سطح القمر»، وهو من إخراج الإسرائيلية راشيل ليا جونز، ويتحدث عن جناية تزوير تراث القرى الفلسطينية وتغيير هويتها اعتماداً على قصة قرية «عين حوض» الفلسطينية، وهي من قرى حيفا، حيث تم تغيير اسمها إلى «عين هود» ونُحتت على بيوتها أسماء عبرية لتزوير التاريخ. ومن واجبنا السعي لعرض هذه الأفلام في العالم العربي أيضاً وفي العالم بأسره للكشف عن حقيقة تراث الصهيونية العالمية في التزوير.
ما يميز كتاب «حصاد السنين» هو موسوعيته من حيث أن الكاتب يستعرض في سياق الحديث عن إنجازاته ومؤلفاته ونشاطاته المتنوعة أعمالَ الآخرين بموضوعية وشفافية وعاطفة جياشة، وبخاصة فيما يتعلق بالأعمال الشعرية والوطنية منها؛ تجده يكتب بيتي شعر ولّادة بنت المستكفي لحبيبها ابن زيدون الأندلسي:
أغارُ عليكَ من عيني ومنّي
ومنكَ ومن زمانك والمكانِ
ولو أني خبأتك فــي عيوني
إلى يـوم القيامة مـا كفاني
فعندما يرى الإنسان هذا الشغف بالشعر والثقافة وكل ما له علاقة بالعاطفة، سواء حب المرأة أو حب الوطن أو حب الأم، يدرك الإنسان لماذا أسهم سميح مسعود في تأسيس الصالون الثقافي الأندلسي بوصفه الأداة الثقافية للمركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط. وكي نفهم ارتباط الكاتب بالأندلس يمكننا تفحص نزعاته العاطفية المرهفة ومعاناته الطويلة مع المرض في طفولته وحياته في الشتات والألم الذي عانى منه خارج وطنه فلسطين؛ كل هذه الأمور دفعته إلى تأسيس الصالون مع أصدقائه جورج عازاره ومحمّد الأطرش. وفي الكتاب يستعرض نشاطاتِ الصالون وأعماله الشعرية التي صدرت عام 2012 بعنوان «الوجه الآخر للأيام»، ثم صدور كتابه الجديد «رؤى وتأملات» الذي وصفه بأنه يعكس صورة وطن يفتش عنه الكاتب، وقد هدف فيه إلى البحث عن مواطن إبداعات أشخاص مثل ناجي العلي وإدوارد سعيد ونقولا زيادة ومناور عويس ومحمود درويش وواصف جوهرية وغيرهم.
ومما يؤكد على هيام الكاتب بثقافة الأندلس العربية، التعريفات التي جاءت في كتابه لمحي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي شاعر الحب والتسامح والسلام، وابن حزم الأندلسي صاحب «طوق الحمامة في وصف العشاق»، والكاتب التركي أورهان باموك ورسالته في التشابك الحضاري، والروائية هارويت ستاو التي أسهمت روايتها «كوخ العم توم» في إشعال الحرب الأهلية وتحرير العبيد وإلغاء الرق في الولايات المتحدة الأميركية. وكذلك جبرا إبراهيم جبرا وتأثيره الكبيرة في حركة الأدب العربي. ولا يغفل الكاتب عن ذكر كتابه الذي أصدره الصالون باللغتين العربية والإنجليزية بعنوان: «حيفا وقصائد أخرى» وكذلك كتاب «متحف الذاكرة الحيفاوية».
والجديد في كتاب «حصاد السنين» أنه لا يتوقف عند مؤلفات سميح مسعود أو مؤلفات آخرين ممن عملوا بالتوازي على مشروعه الثقافي والحضاري والوطني، بل يتجاوز ذلك إلى حديثه بالتفصيل عن المقدمات التي كتبها للكثير من الكتب وكأنه يسعى إلى أن يقدم لنا كتب غيره التي تنسجم مع مشروعاته وطموحاته. ويتجاوز ذلك أيضاً للحديث عن الندوات التي أدارها والتي شارك بها، وكلها ترتبط بمشروع حياته ونشاطات أصدقائه، فضلاً عن تفصيله لفعاليات ثقافية كفعالية المعرض الثالث للكتاب في الجزائر التي أشهر فيها أحد كتبه، وفي الوقت نفسه يستعرض بالتفصيل تكريم المعرض لسيدة فرنسية في الثمانين من عمرها كانت زوجة «جان كربونار»، الذي كان صديق الثورة الجزائرية، حيث نشر المعرض كتاب زوجها الموسوم «لننهض معاً من جديد» بنسخته العربية، وفيه سيرته الذاتية وقصة نضاله إلى جانب الجزائريين ضد الاستعمار، ويشير فيه «كربونار» إلى محاولاته للتخفيف من آثار الاستعمار الفرنسي وأضراره على الجزائر عندما قام بحرق أشجار الأوراس في الغابات بقنابل النابالم، فأسس «كربونار» ورشات لإعادة تشجير المناطق بأشجار الأرز والصنوبر والكارفور وأشجار مثمرة كالزيتون والتفاح واللوز والتين، حيث بلغ عدد العاملين في مشروعه نحو 30 ألف عامل وتمكّن خلال عقد من الزمان من تشجير نحو مائة مليون شجرة. وكأن سميح مسعود يحلم بإعادة تشجير بلاده التي يقطع الصهاينة زيتونها لطرد أهلها منها ويناشد أحرار العالم أن يهبّوا لدعم صمود الفلسطينيين.
وفي بادرة مبدعة جديدة، يضيف سميح مسعود ردود الفعل التي جاءت استجابة لمقالاته وأبحاثه وكتبه التي كانت في بعضها حافزاً لإتمام عمله الموسوعي «البحث في الجذور»، على سبيل المثال، والتي يجدها القارئ مجبولة بصفحات كتابه، كمثل استعادة ذكرى خال أمه الشيخ «أبو الناجي» وهو يروى لهم حكايات نضال ثورة 1936 وكيف استُشهد أصحابه. وهل نتوقع شيئاً أخر أقل حماسة ووطنية مما نجد في هذا الكتاب وفي كتبه كلها إذا علمنا أثر التنشئة الوطنية الدرامية في مسيرة حياة كاتبنا كلها؟
وفي النهاية، يناقش سميح مسعود ردود الفعل على كتابه «حيفا.. برقة - البحث عن الجذور» في أجزائه الثلاثة، ويستعرض المقالات التي كُتبت عن هذه الكتب، ويختم كتابه ببضع مقالات تعيد القارئ إلى نقطة البداية في فكره وطفولته في حيفا وبرقة وهو يستمد حروفه من فلسطين ومعاناة أهلها.
وأخيراً، لا ينسى الكاتب أن يُذكِّر القارئ أن السنوات العشر بعد التقاعد من حياته جعلته يغير نمط حياته ويتمتع بها، بحيث أمدته الكتابة بطاقة حيوية وسعادة غامرة. ونحن بدورنا نقول إننا لن نتوقف عن الطمع بالمزيد من عطاء شاعر حيفا وعاشقها سميح مسعود.