يتحدّث الشّاعر وليم شكسبير عن الكذب في السّوناتة (1) رقم (138) (2). أتذكّر شعراء آخرين كتبوا عن الكذب، المشابه للكذب عند شكسبير؛ كامل الشّناوي ونزار قبّاني وأنا. كتب الشّناوي «لا تكذبي إنّي رأيتكما معاً»، وكتب قبّاني «أكرهها»، وكتبت أنا «ما أجملها لو لم تكن تكذب».
أعود لقصيدتي، وأعيد قراءتها بعد أن قرأت سوناتة شكسبير، ثمّة تقاطع بيني وبينه؛ فكلانا -أنا وشكسبير- نعلم أنّها تكذب، لذلك فإنّنا نستمرّ في الكذب المتواطَأ عليه بيننا، هي تكذب عندي، وعند شكسبير، وعند الشّناوي ونزار قبّاني، وهي تعلم أنّها تكذب عندي، وعند شكسبير وعند نزار والشّناوي كذلك، وهي تعلم أنّني أعلم أنّها تكذب، وهذه عندي أنا دون شكسبير والشّعراء الآخرين، فهي تعلم أنّني لا أصدّق ما تدّعيه، لذلك تهرب منّي كثيراً، وتمنع العيون أن تفضّ سرّ اللّحظة عندما تلجأ إلى التّبرير. يقول شكسبير:
«عندما تُقْسم حبيبتي أنّها مطبوعة على الإخلاص
فإنّي أصدّقها بالتّأكيد، رغم علمي أنّها تكذب،
حتّى تظنّ أنّني لست سوى فتى عديم الخبرة،
غافل عن ألاعيب الزّيف في الحياة
***
هكذا يصبح تفكيرها عبثاً، حيث تعتقد أنّني صغير،
ورغم علمها أنّني تجاوزت سنّ الرّشد،
إلّا أنّني أتظاهر بالسّذاجة في التّصديق على كلامها،
بذلك تختفي الحقيقة البديهيّة في كلا الجانبين:
***
لكن لماذا لا تقول بنفسها إنّها غير مخلصة؟
ولماذا لا أقول أنا لها إنّني كبير السّنّ؟
آه، إنّ أفضل ثوب للحبّ هو الثّقة الجليّة،
والعمر الذي نقضيه في الحبّ، لا يحبّ، لسنواته أن تحصى
***
لذلك أكذب معها، وهي تكذب معي،
يتملّق كلّ منّا الآخر بالكذب الذي نخفي به أخطاءنا».
أمّا قصيدة «لا تكذبي» لكامل الشّناوي فحكاية الكذب فيها حكاية مختلفة، بسيطة واضحة، «وهي قصيدة ليس فيها مبالغة أو خيال، وكان كامل ينظمها وهو يبكي، وكانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها»، إنّها تنمّ عن مرارة حقيقيّة عاشها الشّاعر مع الفنّانة نجاة الصّغيرة التي طلبت منه أداءها فوافق على ذلك (3)، يقول في أوّل مقاطعها:
«لا تكذبي..
إنّي رأيتكما معا
ودعي البكاء... فقد كرهت الأدمعا
ما أهون الدّمع الجسور إذا جرى
من عين كاذبة فأنكر وادّعى».
ولنزار قبّاني أيضاً حكاية خاصّة فنّيّة مع الكذب في قصيدة «أكرهها» التي غنّاها كاظم السّاهر، ففيها حديث آخر عن الكذب، كذب أنثويّ محبّب على ما يبدو لقلب الشّاعر، ليس كما هو الحال في قصيدة الشّناوي أو سونوتا شكسبير:
«عين كعين الذّئب محتالة
طافت أكاذيب الهوى حولها
قد سكن الجنون أحداقها
وأطفأت ثورتها عقلها
أشكّ في شكّي إذا أقبلت باكية
شارحة ذلّها
فإن ترفّقت بها استكبرت
وجرّرت ضاحكة ذيلها».
وقبل التّوقّف عند قصيدة «ما أجملها لو لم تكن تكذب» أشير إلى أنّ الكذب موضوع حاضر في الشعر القديم بصورة «مطل الوعد»، فلم يكن يرى الشّاعر العربيّ أنّ في ذلك منقصة أو عيباً في المرأة، وقد أشار إليه عمر بن أبي ربيعة في قصيدته «ليت هنداً» (4)، وكذلك في هذه الأبيات للشّاعر عبيد الله بن قيس الرّقيّات، فلا يَعدّ الشّاعر مطل الوعد من الكذب، وهو ليس الكذب المقصود في القصائد المتحدّث عنه هنا، ثمّة اختلاف واضح بين الأمرين (5):
«رقــيَّ بعَمْرِكُـــمْ لا تَهْجُرينـــا
وَمَنّينـــا المُنــــى ثــم امطلينـــا
عدينــا فــي غـــدٍ ما شـــئتِ إنّـا
نحـــبُّ ولــو مطلـــتِ الواعدينــا
فإمّـــا تنجـــــزي عِدَتـــي وإمّــا
نعيــشُ بمــا نؤمــلُ منــكِ حينــا».
وحفلت الأغنية العربيّة المعاصرة بكثير من النّماذج التي تتعرّض لهذا الموضوع، فحضر، على سبيل المثال، بصورته الواقعيّة في أغنية للفنّان وائل كفوري يقول فيها: «كذّابة عرفتك كذّابة.. بلحظة ضيّعت حلمي»، ورغم ن أنّ موضوعها موضوع يحدث كثيراً بين المراهقين، كما تدلّ الأغنية على ذلك، إلّا أنّها عالجت هذا الجانب من العلاقات العاطفيّة، التي يكون فيها الكذب مقبرة لكلّ حبّ مهما كان كبيراً وعظيماً، إذ يشير إلى نوع من أنواع الخيانة التي ليس لها مبرّر سوى أنّ المسألة لم تعد كونها تسلية، يتلاعب فيها أحد الطّرفين بمشاعر الطّرف الآخر، إضافة إلى أنّ الكذب منقصة تقدح في شخصيّة الإنسان، يتعارض مع القيم الإنسانيّة الراقية.
أمّا قصيدة «ما أجملها لو لم تكن تكذب» فهي لا تخرج عن كلّ ذلك التّراث في رصد هذه الظّاهرة بين البشر، وأستشهد من هذه القصيدة بالمقطع الآتي:
«هي إذ تعد ليَ اللّقاء اللّيلكيّ ستكذب
وإن رحلت ستكذب
وإن عادت ستكذب
وإن قالت (صباح الخير) تكذب
وإن قرأت بآيات الكتاب ستكذب
وإن نطقت بـ (لا إله إلا اللهْ)
لا ريب أنّ جملتها ستكذبْ
وإن لبست ملابسها الأنيقة سوف تكذبْ
ونسائم العطر المغرغر بالنّدى ما بين نهديها تفوح وتكذبْ
مكياجها، تسريحة من شعرها في الرّأس تكذبْ
وإن خلعت معاطفها على الكرسيّ حتماً سوف تكذب
وإن شربت معي فنجان قهوتها ستكذب».
وقد توقّفتْ عند القصيدة الكاتبة اللّبنانيّة مادونا عسكر مبيّنة ما فيها من فكرة وأسلوب، إذ ترى أنّ القصيدة قائمة على «فنّ التّضليل الشّعريّ» (6)، «فتستحيل القصيدة عاملاً من خلاله يدخل الإنسان إلى نفسه ويتأمّلها ويُخرج منها مكنوناتها ويظهرها للعلن. ما يسمّى في واحد من مناهج علم النّفس: الاستبطان (Introspection). قد لا يعي القارئ هذه الحركة التّأمّليّة؛ لأنّه يتفاعل مع القصيدة بردّة فعل عاطفيّة وجدانيّة على الباعث الكامن في المضمون (الاستبطان العفويّ، أي تأمّل سريع مبهم غير مقصود). إلّا أنّه بجميع الأحوال يظهر مكنون النّفس وخباياها، ليعبّر عن امتعاض أو تعاطف أو خيبة أو إثبات للذّات».
وتلفت عسكر النّظر إلى ظاهرة التّكرار في القصيدة فتقول: «ونتبيّن ذلك من التّكرار المكثّف لكلمة (تكذب) الذي سيشكّل نوعاً من الضّغط المعنويّ على القارئ. إذ إنّ كلّ بيت من القصيدة ينتهي بلفظ (الكذب)، أو بفعل من أفعاله (ستكذب، يكذب، تكذب، أكذب)».
لن ينتهي الشّعراء من الحديث عن الكذب في الحبّ وفي الحياة، فالكذب في الحبّ والشّعر أيضاً ليس كالكذب في القصائد، مستعيراً بتحوير يناسبني هنا من الشاعر مريد البرغوثي قوله: «الحبّ في الحياة غير الحبّ في القصائد» (7)، فلتكذب من أرادت أن تكذب، فها هو الشّعر الصّادق الأكبر، وإن خلّف قلب الشّاعر حزيناً باكياً شاكياً متحسّراً.
***
(1) يطلق على هذا النّوع من الشّعر أيضاً «السُّونِتُّو»، ويعدّ شكسبير مطوّراً في شكلها الفنّيّ في مرحلتها الرّابعة، فقسّمه ثلاث رباعيّات، يليه دوبيت يشتمل على بيت القصيد، ولا يلتزم ضرورةً بنظام الاستدارة الذي كان يلتزم به في المراحل السّابقة، ويلاحظ أنّ موضوعه الغزل غالباً. ينظر: معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، ص528-529.
(2) أشعار وليم شكسبير، دراسة وإعداد إسلام إبراهيم، فاروس للنشر والتوزيع، 2011، ص307.
(3) ينظر المقال المنشور في موقع صحيفة الاتّحاد الإماراتيّة بعنوان: «لا تكذبي».. مأساة عاطفية لمؤلّفها كامل الشّناوي، للكاتب سعيد ياسين، 2 تشرين الأول 2015.
(4) ديوان عمر بن أبي ربيعة، دار القلم، بيروت، د.ت، ص53.
(5) ديوان عبيد الله بن قيس الرّقيّات، شرح وتحقيق عزيزة فوّال بابتي، دار الجيل، بيروت، ط1، 1995، ص208.
(6) ينظر مقال مادونا عسكر في موقع «صوت العقل»، نُشر بتاريخ: 3/4/2016، من خلال الرّابط الآتي: https://thevoiceofreason.de/ar/article/18943
(7) وردت هذه الجملة في قصيدة للشّاعر بعنوان «الحبّ». ينظر: الأعمال الشّعريّة الكاملة، ص218. ويكرّرها الشاعر مرّات عدة في القصيدة.
* كاتب فلسطيني