البروسترويكا والغلاسنوست والتصفيق المدوي

تاريخ النشر : الأحد 11:00 26-11-2017
رومان حداد

حين اقترح آخر رئيس للاتحاد السوفييتي أمام أعضاء مجلس الدوما خطته التي عنونها بـ(البروسترويكا والغلاسنوست) ظهر بصورة بل صفق له العالم أجمع، فتمادى غورباتشوف ووضع تصوره في كتاب تصدر قائمة أكثر الكتب مبيعاً، وتحول الرئيس السوفييتي بين لحظة وضحاها من رئيس إمبراطورية إلى نجم إعلامي، وبغفلة من الزمن انهار الاتحاد السوفييتي ونسي الجميع نظريات غورباتشوف الخارقة، وهو اكتشف كذبة التصفيق والإعلام ولجأ للإعلان، فتحول من (مفكر عظيم) وسياسي (جهبذ) إلى عجوز يجلس أمام الكاميرا يأكل البيتزا ليعلن بافتخار أن أحد أهم إنجازاته كرئيس للإمبراطورية السوفييتية كان السماح للبيتزا هت دخول السوق السوفييتية.

لمن لا يعرف فإن البروسترويكا والغلاسنوست هما (الإصلاح وإعادة البناء)، ففي أثناء انهماك غورباتشوف بالإصلاح وإعادة بناء الاتحاد السوفييتي، وتحت أضواء الإعلام المبهرة، وربما بسبب التصفيق المصم للآذان، لم يلحظ الزعيم السوفييتي الكثير من الأخطاء، فالتصفيق مستمر والإعلام مبهور دائماً، ونسي مقولة سلفه نيكيتا خروتشوف «عندما يصفق لي الغرب أعرف أنني اقترفت خطأ فادحاً ليلة أمس».

لماذا ضاع مشروع غورباتشوف التقدمي والضروري لبث الروح الجديدة في جسد إمبراطورية تعبة، ولماذا ضاعت الإمبراطورية كلها؟

لا يبدو الجواب على هذا السؤال، رغم مرور اثنين وعشرين عاماً على انهيار جدار برلين، سهلاً، فهناك عدة تصورات وفرضيات وراء الفشل الذي حصل، فالبعض يرى أن الإمبراطورية كانت هرمة لدرجة (الموت)، فعندما جاء الإصلاح نزع عنها (الأجهزة) التي كانت تساعدها على البقاء حية فدخلت في غيبوبة ومن ثم تم تشييعها إلى مثواها الأخير.

في حين يرى آخرون أن عملية الإصلاح وإعادة بناء الدولة/ الإمبراطورية لم يكن المقصود منها الإصلاح فعلاً أو إعادة بناء الدولة، بل ما كان مقصوداً هو تغيير واضح في النهج والأسلوب وحتى المقولات الفكرية الناظمة للدولة، وكان هذا التغيير يسير بوتيرة أسرع بكثير من الوتيرة التي تسير بها الدولة والمجتمع، وما كان يسمى بإعادة بناء الدولة كان في حقيقته تفكيك الدولة والمنظومة السياسية الحاكمة وإعادة تركيبها بما يتوافق مع النسق الجديد.

السؤال المهم هو هل كان غورباتشوف على إدراك كافٍ بما يحصل أم أنه فوجئ بالنتيجة التي آلت إليه إصلاحاته، وإذا فوجئ فأين كان أثناء مسيرة الإصلاح؟

بحسب المعطيات التاريخية لا يظهر وكأن غورباتشوف قد أراد تفكيك الاتحاد السوفييتي، بل أن نواياه كانت صادقة باتجاه الإصلاح وإعادة بناء الدولة، وبالتالي فإن ما حدث شكل مفاجئة حقيقية لهذا الزعيم، ولكنه يتحمل بالتأكيد مسؤولية عدم إدراكه لما يحدث من حوله، فهو لم يستطع أن يسمع أي رأي مخالف لرأيه (العبقري) بسبب أن من حوله أغرقوا أذنيه بالتصفيق، وهاجموا كل رأي مخالف ودفنوا هذا الرأي قبل الوصول إلى (الريس)، فبدا له المشهد كمشهد انتصار هوليوودي، الجميع فرح لانتصار (البطل) الساحق، ولا يوجد من يقف في مواجهته أو ضده.

التجربة السوفييتية، ورغم خصوصيتها التي لا يجوز إنكارها أو تجاوزها، تساعدنا في استخلاص العديد من النتائج الضرورية التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار في أية رحلة تدعي أن وجهتها الإصلاح، من أهم هذه النتائج أن الاهتمام الخارجي بالإصلاح الذي يجري في الداخل ليس ضمانة على صحة إجراءات الإصلاح أو النتائج المتوقعة منه، كما أن وتيرة الإصلاح يجب أن تراعي خصوصية الدولة والمجتمع، فلا يكون سيرها أسرع منهما أو أبطأ، لأن ذلك سيحدث خللاً ملحوظاً وسيكون سبباً لضياع الفرصة.

لا بد من وجود شخص أو أكثر يهمسون في أذن صاحب القرار برأي أو آراء مختلفة، وفي بعض الحالات لا بد من إيجاد حالة من النقاش العام وتبادل الآراء، وهذا الدور يقوم به عادة الرجل الثاني أو من هم في الصف الثاني ضمن مؤسسات الحكم، ولكن يبدو أن مهمة الرجل الثاني في منطقتنا باتت مختلفة، فهو الشخص الأكثر تصفيقاً وأعلى صوتاً بالمديح غير المنقطع، والذي يؤكد لرئيسه ومديره ومسؤوله الأعلى منه مرتبة عظم القرارات التي يتخذها، وبعد النظر الذي يتمتع به دون غيره وهو ما يجعل خطاه ترسم الطريق الصحيح الواجب الاتباع، وكل من لا يقوم بهذا التصفيق العالي الوتيرة والمديح الدائم يفقد مبررات وجوده كرجل ثان ويعد ممن يضعون العصي في عجلة التطوير، ويحاول إفشال التجربة الناجحة، فيتم إبعاده والتخلص منه.

ومع مرور الزمن فقدنا في منطقتنا الرجل الثاني أو الصف الثاني في أغلبية ساحقة من مؤسساتنا، وتحول الجميع إلى مصفقين، هذا التصفيق الذي يبرز في الحقيقة مدى عدم اكتراثهم لما سيحدث أكثر مما يظهر مدى حبهم للرجل الأول في مؤسستهم، فالتصفيق الدائم يعزز غرور الرجل الأول في المؤسسة ويقتل، مع الوقت، قدرته على سماع رأي يخالفه، فيصير لا إرادياً يقرب من يصفق ويبعد من يسأل ويفكر، وهو ما يقضي على مفهوم الرجل الثاني أو رجالات الصف الثاني، وعلى دور مطبخ صنع القرار، فالحكمة مأخوذة من لدن الرجل الأول، فلكل تصرف حكمة قد لايدركها من حوله في لحظتها أو في أي وقت آخر، فتجميل الخراب والخطأ وعدم التجرؤ على قول الحقيقة هي نتاج مباشر للقضاء على الرجل الثاني أو رجالات الصف الثاني

غياب آليات النقد الذاتي داخل أية مؤسسة، وتغييب كل شخص يمكن أن يرى الأمور من زاوية أخرى ويسأل ويفكر بأساليب غير تلك التي تؤدي لاتخاذ القرارات الحالية، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ، فاعتماد منهجية تدمير مفهوم ودور الرجل الثاني في مختلف المؤسسات في منطقتنا مهما صغرت أو كبرت، وتحويل مطبخ القرار إلى مطبخ المصالح الضيقة والشخصية، يدخل في باب التصرف المقصود الذي يدرب صاحب القرار على عدم سماع الرأي وعدم تقبله إن كان يختلف معه، ليبقى الرجل الأول يسمع صوته وصداه إلى ما لا نهاية، كل ذلك يؤدي وبصورة مدروسة إلى خراب لا يمكن إصلاحه ولا تحمد عقباه وإذا دققنا النظر جيداً لاكتشفنا أن هذا الغياب أحد أهم أسباب الفساد، فحين يفسد رأس المؤسسة لن يكون هناك رادع له أو شخص يمثل الضمير الذي يمكن أن يزعجه.

إن إحدى أبرز الخطوات لمكافحة الفساد في منطقتنا تتمثل باسترجاع دور الرجل الثاني الحقيقي، فبمقدار ما نستعيد هذا الدور في مؤسسات دولنا بمقدار ما نضمن أن واحدة من أهم العقبات قد أنشئت في مواجهة الفساد، والأهم أنها عقبة تؤسس لحالة منهجية وليس مجرد حالة فزعة.

والملاحظة التي لا يجب القفز عنها هي أن التصفيق العالي والمستمر قد يؤدي إلى تشويش واضح يمنع آراء كثيرة ومهمة من الوصول إلى صاحب القرار، وأن كل من يمنع هذه الآراء من الظهور تحت أية حجة كانت، فإنه يمنع صاحب القرار من سماع الآراء كافة، وقد يكون هو السبب في تخريب مسيرة الإصلاح وضياع المشروع والحلم.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }