كتاب

الغاز هل هو ما يرسم ملامح المنطقة؟

يعد اكتشاف مخزونات اقتصادية من الغاز قبالة السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط وتمتد حتى سواحل قبرص منذ عام 2009، وكذلك الحال في المياه العميقة قبالة السواحل المصرية شمال الدلتا، سوف يغير بشكل كبير من خريطة الطاقة في الشرق الأوسط، فقد يرى كثيرون أنه قد يأتي بفرص جديدة، ولكني أرى أن ذلك مما جلب المصائب الكثيرة على المنطقة.

فاكتشاف مخزونات الغاز، وربما النفط، في حوض شرق البحر المتوسط سوف يعزز مفهوم وأدوات الأمن القومي للدول التي تم اكتشاف الغاز والنفط في مياهها الاقتصادية الحصرية، وذلك في مواجهة التهديدات الخارجية التي قد تتعرض لها، وهو ما يقلل من فرص التعاون الإقليمي الضروري في هذه المنطقة كي لا يصبح استخراج الغاز منها سبباً في اندلاع الحروب فيها مما يمنع استثمار حقولها النفطية.

فما تم من اكتشافات في حوض المشرق يؤكد تواجد حقول غاز تحتوي كميات كبيرة من الغاز قد تؤدي إلى تأجيج النزاعات بين الدول المتجاورة، كما حدث بين إسرائيل ولبنان فيما يتعلق بتقسيم ثروة قاع البحر وترسيم الحدود البحرية الإقليمية والمناطق الاقتصادية الحصرية، أو قد يراها بعض الساسة فرصة قد تساعد تطوير أطر للتعاون الإقليمي، وتحويل شرق البحر المتوسط إلى منطقة للسلام والتعاون، وليس إلى منطقة الحروب والنزاعات، وهو ما يتطلب إعادة ترتيب المنطقة بصورة تتلاءم مع هذا التصور، وبالتالي الوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف.

أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في منطقة شرق المتوسط بما يتلاءم مع المرحلة القادمة، بحيث يعاد ترسيم الخرائط وتقسيم الدول الحالية إلى دول أصغر لا تستطيع أي منها لعب أي دور حيوي في المنطقة دون شركاء، على أن لا يكون هؤلاء الشركاء ممن كانوا يتقاسمون معهم (الوطن الأكبر) قبل الانقسامات، بسبب ما خلفته الحروب الأهلية والنزاع على السلطة من ضغائن.

وسوف تزيد من أهمية منطقة الشرق الأوسط ككل كمخزن عالمي عملاق للطاقة، ومن ثم سوف ترتفع حدة التنافس الدولي عل ثروات هذه المنطقة التي تجتاز مرحلة صعبة في تاريخها بسبب التغيرات السياسية الجارية فيها، والتي تأخرت كثيرا عن غيرها من مناطق العالم. وسوف تدخل حلبة المنافسة على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، بجانب القوي التقليدية، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، قوى صاعدة جديدة، مثل الصين، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، باعتبار أن الدول الأخيرة هي الأسرع نموا في الوقت الحاضر.

زيادة الطلب على الغاز كمصدر نظيف للطاقة سيزيد من الاستثمارات في التكنولوجيا الخاصة به، وبمصادر الطاقة النظيفة والمستخدمة في قطاعات عدة مما يعني خفض التكلفة اللازمة للصناعات المرتبطة بها وأهمها تحلية مياه البحر ومن ثم المساهمة في حل مشكلة ندرة المياه في منطقة شرق المتوسط.

وهو مايعني أن الدول التي كانت دولاً فقيرة اقتصادياً ومائياً، وهو ما كان يجعلها دولاً ضعيفة بالمنظور الاسترتيجي، ستتحول إلى دول غنية بالغاز والماء، وهو ما يعني امتلاكها لقدرات عالية كي تدخل الملعب السياسي الإقليمي والعالمي من بابه الواسع، خصوصاً وأن هذه الدول تملك موارد بشرية كفؤة وقادرة على إدارة المشهد الاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى تمتع مجمعاتها بدرجة مقبولة من الانفتاح.

ولكن كما أن الغاز سيخلق (فورة) اقتصادية في دول شرق المتوسط خلال العقد القادم، إلا أنه سيحول المنطقة إلى ساحة كبرى للصراعات الدولية، فإلى جانب اللاعبين التقليديين في المنطقة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا، سيظهر لاعبون جدد أيضاً مثل الصين، والهند، وماليزيا وستكون لهم مصالح حقيقية في مجالات مصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط.

فالتوسع الصيني والهندي في قطاع الطاقة في الخليج حالياً وفي منطقة شرق المتوسط مستقبلاً يمثل واحداً من أبرز التحديات المهمة التي تواجه سياسات الولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم.

فعلى الرغم من أن الصين احتفظت بعلاقات قوية مع بعض الدول طوال عقود عدة إلا أن تزايد استهلاكها للطاقة بحكم صعودها الاقتصادي ووجود أعداد متزايدة من المصانع، وتحولها إلى ثاني مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة الأمريكية زاد من مصالحها النفطية واعتمادها الكثيف على نفط الشرق الأوسط مع بداية تسعينيات القرن العشرين، وهو الأمر الذي أدى إلى تحول أساسي في شكل وطبيعة العلاقات الصينية العربية.

ولذلك فقد أصبحت مصالح الصين النفطية والتجارية هي الأساس الذي تنطلق منه لتحديد مسار هذه العلاقات، وهو ما أدى إلى انعكاس ذلك على المسارات السياسية، فما يحدث في الشرق الأوسط من قضايا وإشكاليات لم يكن يقع ضمن أولويات اهتمامات السياسية الخارجية الصينية باعتبار منطقة الشرق الأوسط ليست ضمن المجال السياسي الحيوي الصيني، ولكن الامر قد تبدل الآن وصار ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن أولويات السياسة الخارجية الصينية، كما حدث في ليبيا وقبلها ما حدث من حالات قرصنة في القرن الإفريقي، وعلاقتها مع صوماليالاند.

وأبرز مثال على تغير السياسة الخارجية الصينية مع منطقة الشرق الأوسط هو الموقف الصيني غير المسبوق فيما يتعلق بالقضية السورية، فالصين استخدمت الفيتو عدة مرات لإيقاف قرار صادر عن مجلس الأمن بحق النظام السوري، مع الإشارة إلى أن الصين استخدمت هذا الحق في الفترة الممتدة من عام 1945 وحتى عام 2011 سبع مرات فقط.

وتقوم الصين بالدخول التدريجي إلى المنطقة ولكنه دخول مدروس عناية من قبل الجانب الصيني، وذلك لكي تضمن الصين استمرار الإمدادات من النفط والغاز الذي تستورده من المنطقة.

فشركات النفط الصينية تسعى للحصول على عطاءات كبرى للقيام بأعمال تدخل نطاق الأعمال الاقتصادية الاستراتيجية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، حيث تتضمن هذه الأعمال إقامة خطوط الأنابيب للنفط حتى الآن، وتشييد معامل تكرير البترول، وعمليات الحفر والتنقيب عن النفط والغاز، وإدارة عمليات الإنتاج.

وللحديث بقية...