مع قرب انتهاء العمليات الأساسية ضد تنظيمي «داعش» و»القاعدة» في سوريا والعراق في سياق الحرب على الإرهاب صعّدت الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءاتها ضد «حزب الله» اللبناني مع الإعلان عن استراتيجية أميركية جديدة ضد إيران في 13 تشرين اول الحالي، وتكاثرت التوقعات عن احتمالية نشوب حرب في الأفق، وتتحدث السيناريوهات عن وجود احتمال كبير بأن يشن «حزب الله» حرباً أخرى ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما باعتباره الوكيل الرئيسي لإيران.
اتخذت الولايات المتحدة مؤخرا سلسلة من الإجراءات والعقوبات المتتابعة ضد حزب الله، فقد أقر مجلس النواب الأميركي في 25 تشرين اول الحالي عقوبات جديدة على حزب الله اللبناني المدعوم من إيران في إطار جهود لتبني موقف صارم من طهران دون اتخاذ خطوات مباشرة تقوض اتفاقا نوويا دوليا، وتم إقرار ثلاثة إجراءات في تصويت جرى دون معارضة، حيث أقر المجلس أولا فرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها للحزب من خلال إمدادها بالأسلحة على سبيل المثال، ويفرض الإجراء الثاني عقوبات على إيران وحزب الله لاستخدامهما المدنيين كدروع بشرية، ويقوم الإجراء الثالث على حث الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف حزب الله «تنظيما إرهابيا».
كان الاتحاد الأوروبي قد أدرج الجناح العسكري لحزب الله اللبناني ضمن لائحة المنظمات الإرهابية في 22 تموز 2013، دون أن يصنف الحزب بكافة مؤسساته كمنظمة إرهابية، بينما تصنف الولايات المتحدة حزب الله «تنظيما إرهابيا أجنبيا» منذ عام 1997.
تصاعدت الحملة الأمريكية ضد حزب الله بصورة لافتة حيث عرضت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 12 مليون دولار أمريكي لمن يدلي بمعلومات تساعد في إلقاء القبض على اثنين من قادة جماعة حزب الله اللبنانية، وهما طلال حمية وفؤاد شكر، وقال منسّق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية نايثن سيلز في 11 تشرين اول الحالي إن «جماعة حزب الله لا تزال أحد التنظيمات الإرهابية الأكثر خطورة في العالم»، مضيفا أن المكافآت المرصودة هي «خطوة جديدة لزيادة الضغوط عليهما وعلى تنظيمهما»، وقالت الولايات المتحدة إن طلال حمية هو مسؤول الأمن الخارجي في حزب الله ويدير خلايا الجماعة في مختلف أرجاء العالم، وأن هذه الخلايا هي التي تقوم بالتخطيط للعمليات خارج لبنان وتنفيذها، وتشير تسريبات إلى أن فؤاد شكر حل مكان مصطفى بدر الدين، القائد العسكري في حزب الله، الذي قتل في ظروف غامضة في سوريا في عام 2016.
في ذات السياق شن نيكولاس راسموسن مدير المركز الوطني لمحاربة الإرهاب التابع للحكومة الأمريكية، هجوما قاسيا على حزب الله، في 11 الشهر الحالي، وقد اتهم الحزب باغتيال قيادات سياسية وعسكرية لبنانية، على رأسها رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، وتنفيذ أجندة للإرهاب الدولي تشمل امتلاك قدرة تنفيذ هجمات داخل أمريكا نفسها، وذكر راسموسن بعض العمليات التي يقف الحزب وراءها وأدت إلى مقتل أميركيين قائلا: «الحزب مسؤول عن مقتل 63 شخصا وجرح 120 في الهجوم على السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، كما أن استهدافه مقر المارينز في لبنان بالعام نفسه أدى إلى مقتل 241 أميركيا وجرح 128، كما أن جهاز الأمن الخارجي التابع للحزب المعروف باسم (الوحدة 910) نشر عناصره في جميع أنحاء المعمورة من أجل المساهمة في النشاطات الإرهابية».
في ظل تصاعد احتمالات الحرب نشر مؤخرا تقرير هام بعنوان، «جيش الإرهاب التابع لـ «حزب الله»: كيفية منع اندلاع حرب ثالثة في لبنان»، شارك في وضعه العقيد ريتشارد كيمب، واللواء اللورد ريتشارد دانات، والجنرال كلاوس نومان، وكيمب هو القائد السابق للقوات البريطانية فى أفغانستان وقاد فريق الإرهاب الدولي في «لجنة المخابرات المشتركة» في بريطانيا، ودانات هو رئيس الأركان السابق للجيش البريطاني، أما نومان فقد شغل منصب رئيس أركان «القوات المسلحة الألمانية» ورئيس «اللجنة العسكرية لحلف شمال الأطلسي».
ثمة احتمال كبير بأن يشن «حزب الله» حرباً أخرى، لا سيما بالنظر إلى مركزه بوصفه الوكيل الرئيسي لإيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما حسب ريتشارد كيمب، أما كلاوس نومان فيشير إلى تطور القدرات العسكرية لـحزب الله، ويؤكد على أن الحرب المقبلة ستكون أسوأ بكثير من الحرب السابقة، وإذا اندلعت، فستترتب عنها عواقب إنسانية وخيمة، وقد تضع المصالح الاستراتيجية الغربية في خطر.
على مدى سنوات حقق «حزب الله» تطورات مهمة في مفاهيمه وقدراته الاستراتيجية منذ حرب لبنان في تموز 2006، إذ يشير ريتشارد دانات إلى تطور القدرات القتالية البرية لحزب الله إلى ما هو أبعد من فئة الإرهابيين أو العصابات، ويؤكد على أن الحزب الآن أقرب إلى قوة عسكرية موحّدة، مع هيكلية وتسلسل واضح للقيادة، حيث ازداد عدد عناصره بشكل هائل، وأصبح يبلغ نحو 25 ألف مقاتل ناشط و20 ألف مقاتل احتياطي. وقد خضع حوالي 5 آلاف جندي ناشط لتدريب متقدم في إيران.
أما ترسانة «حزب الله» حسب دانات فقد توسّعت إلى أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة، والآلاف منها بعيدة المدى وقد تصل إلى مسافة 250 كيلومتر. وفي هذا الإطار، يتم تجهيز القوات البرية الآن ببنادق كلاشنكوف من طراز «AK-47»، ونظارات للرؤية الليلية، وأسلحة متقدّمة مضادة للدبابات، ومهارات أعلى في المتفجرات. كما أدرج «حزب الله» في الآونة الأخيرة وحدة دعم جديدة للدروع مع دبابات حديثة. كما أنه يملك مئات الطائرات بدون طيار، وأنظمة متقدمة للدفاع الجوي، ومنظومات صواريخ جوالة بر- بحر، وقدرات استخبارية كبيرة، وإلى جانب الخبرة القتالية التي اكتسبتها قوات «حزب الله» في سوريا، فإن هذه التطورات سوف تسمح للحزب بتنفيذ عمليات على مستوى السرايا أو الكتائب.
يبدو أن الضغوطات الأمريكية والأوروبية سوف تتصاعد ضد حزب الله خلال الفترة القادمة، والتي تعمل على عزل الحزب وتجريده من شرعيته وموضعته في سياق «الإرهاب» وتدمير صورته كحزب «مقاومة»، وترتكز التصورات والإجراءات على إعادة تقييم علاقة أمريكا وأوروبا مع لبنان، فبحسب التوصيات الجديدة لم يعد لبنان دولةً صديقة مع مجموعة إرهابية متربّصة في الهوامش حيث تمكّن «حزب الله»من السيطرة على معظم أنحاء البلاد، وجعل الحكومة تعتمد على وجوده، كما وتلاعب بالمسؤولين ليهملوا مصالح الشعب بغية مواصلة جدول أعمال إيران الإقليمي.
تستند احتمالات قيام حرب جديدة يقودها حزب الله ضد إسرائيل إلى الاعتقاد إلى أنّ الحزب بصدد التحضير لصراعٍ آخر مع إسرائيل لسببين رئيسيين، الأول ليس بجديد، فالحزب وراعيه الإيراني يعارضان الوجود الإسرائيلي، أمّا السبب الثاني فينبع من مشكلة «حزب الله» الأخيرة فيما يتعلّق بشرعيته في لبنان بسبب الخسائر التي تكبّدها في سوريا لاستعادة سمعته كحزب مقاوم.
«حزب الله» وحرب محتملة في الأفق
11:00 29-10-2017
آخر تعديل :
الأحد