من أمراض مجتمعاتنا العربية اليوم، تدهور القيم الإنسانيّة والروحانيّة، ومن يدرس أوضاعها، يجد أنّها تفتقد لروحانيّة إنسانية عميقة، تقوم على مخافة الله وتقدّس الحياة وتحب الجار وتطلب له الخير أيّاً كان دينه أو مذهبه أو هويته. وبسبب غياب هذه العناصر الروحية والحيوية المهمة يلجأ البعض للبحث عنها باطلاً في بدائل واجتهادات لا تمتّ إلى جوهر الدين بصلة، بل كثيراً ما تنجرف في تيارات من التعصب والتطرّف، وإلى ممارسات غير إنسانية، وبالتالي فنسيان الروحانيات وإنكار القيّم الإنسانيّة ستؤدي إلى نتائج خطيرة ومآسي كبيرة في مجتمعنا.
لذا مطلوب منّا أن نرسّخ الوعي بالمحبة عند الإنسان، لأنّها ستكون الطريق للإنتقال بنا إلى الحوار والتعاون، والخير والسلام في التعامل مع الآخرين. ولكن هذه الروحانية والثقافة الإنسانية، يحتاج إلى من يزرعها وينميّها ويعمل بموجبها وهذه هي مهمة البيت أولاً، والمدرسة والجامعة ثانياً، والمسجد والكنيسة ثالثاً، وكل وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي.
ومن جهة آخرى، ورغم ازدياد أعداد حملة الشهادات الجامعية بكل تخصصاتها ، إلا أننا نرى أيضاً ضعفاً في الثقافة بأبعادها الإنسانية والحضارية ، فأصبح همّ الطالب الجامعي الحصول على الشهادة ، بدلاً من بناء روحانيّة إنسانية رفيعة ، وثقافة حضارية أصيلة ، فنراه اليوم لا يحمل بيديه سوى الهاتف النقّال وعلبة السجائر ، بدلاً من الكتاب والقلم ، مما أدّى إلى فقر في الفكر ، فأصبح الفكر عندنا فقيرا ، لأن الشرقيّ غير ميّال إلى التفكير والثقافة ، وهذا ما يؤدي إلى التخلّف لأن أساس التقدم هو العقل ، الذي هو أعظم عطايا الله للإنسان.
أجل ، إنّ قلب الشعب هو ثقافته ، والإنسان من دون ثقافة كالجوف الفارغ ، والثقافات متعددة ، وأجملها أن تأخذ من كل بستان زهرة ، وبالتالي أن تكون منفتحاً على ثقافات الشعوب الآخرى. لذا نحن بحاجة لإصلاح أنفسنا قبل أي شيء ، وهذه هي الحقيقة ، فعندما نعترف بأننا نفتقد لروحانيّة إنسانية عميقة ، ونواجه الحقيقة نكون في أول خطوات الإصلاح. وبالتالي هناك عدّة أسس ينبغي علينا تفعيلها والبدء بتنفيذها لإصلاح ذاتنا وهي: إحترام حقوق الإنسان ، والعمل على تنشئة المواطن على الحريّة والحوار ، والابتعاد عن التعصب والتزّمت وخطاب الكراهية ، بالأضافة إلى إعطاء العقل حقه وأن نزوّده بالإيمان الواعي الذي لا يخاف الفكر والعلم أو الفلسفة والمنطق وإلاّ فلا نهضة للأمة ، ولا أفق للتّغلب على مشكلاتها .