تقودنا بعض المشاهدات الوطنية أو المجتمعية أحيانا إلى التفكير بعمق إما بجذور تلك الأحداث والمواقف وأسبابها، أو حول إفرازاتها وتداعياتها، وأحيانا يدفعنا التفكير إلى ولوج طرق فرعية تمثل إضاءات مهمة على خط الحدث التي تتقاطع معه.
منذ سنوات وحتى اليوم وفي كل مرة أتعرض فيها إلى موقف يحتاج من الموظف أو العامل أو المسؤول أمامي لباقة في التعامل، سرعة في الإنجاز، فطنة في التفكير، اهتمام بالعميل، تفهم لاحتياجاته ورغباته، دقة في الأداء والتنفيذ، وذكاء في التعاطي مع المسألة قيد المعالجة، في كل مرة أقع فريسة حزينة رهن سؤال يفترس الواقع الأردني ويفترشه: «لماذا نحن في الأردن تحديدا نفتقر إلى علم وفن ومهارة خدمة العملاء؟».
أثناء دراستي في كلية طب الأسنان كان من أشهر كتبنا الذي ما زال طلابنا اليوم يستخدمونه كمرجع لهم كتاب «فن وعلوم طب الأسنان التداخلي»، حيث بدأنا في تلك المرحلة استيعاب أن مهنة طب الأسنان مهنة علمية عملية تحتاج منا إلى فن ومهارة بالإضافة إلى العلوم المعرفية النظرية، واليوم وبعد كل هذه السنوات يطل علم خدمة العملاء تحت نفس المسمى والتوصيف «فن وعلم خدمة العملاء»، ذلك أن هذا العمل بحاجة من مقدميه لا إلى نظريات في أساليب التعامل مع الجمهور فحسب، بل إلى ذكاء اجتماعي ومهارات تواصل تخوّلك أن تقوم بتطبيق هذه المعارف النظرية على أرض الواقع من خلال الممارسة العملية اليومية والتعاطي مع العمل الموكل إليك.
بل سأذهب إلى أبعد من ذلك بناء على المقولة الشهيرة لمدرسة دايل كارينجي: «85% من نجاحك العملي والاقتصادي يعتمد على شخصيتك وذكائك الاجتماعي، ومهارتك في التواصل مع الآخرين، ومفاوضتهم، وإقناعهم وقيادتهم، بينما تحقق لك خلفيتك المعرفية 15% فقط من هذا النجاح.»!
أعتقد ونحن اليوم في سوق تنافسي مكتظ ومتورم من شدة وحدة التنافس على مختلف الأصعدة وفي شتى الميادين، يمكننا الإيمان بصدق استنتاج كارينجي ونحن نرى أثر وتأثير مهارة خدمة العملاء على نجاح الشخص وعمله، بحيث لم يعد الأشهر هو الأفضل وليس الأنجح هو الأنجع، وفي النهاية لم تعد لجودة العمل المحوري أهمية مقارنة بأسلوب الخدمة المحفوف به، فما بالك لو اجتمع الاثنان معا؟!؟
هنا سأتوقف لتوضيح مسألة غاية في الأهمية لها علاقة وطيدة بخدمة العملاء ألا وهي مسألة الانتماء، الموظف في الدائرة أو الوزارة أو المؤسسة الحكومية يقدم خدمة جيدة ويؤدي وظيفته بأمانة، ولا يمكنني أن أدعي أنني تعرضت في يوم من الأيام إلى سوء معاملة أو تجاهل من قبل موظف حكومي، ولكنني أعتقد أن سقف هذه الأمانة وهذه المسؤولية متعلق بحفاظ الموظف على وظيفته، تخوفا من شكوى سيقدمها المواطن مباشرة إلى المسؤول في حال قصّر الموظف في عمله، على الضفة الأخرى من النهر حيث القطاع الخاص من فنادق وبنوك ومطاعم ومحلات تجارية، فالموظفون غير معنيين بتلبية حاجة العميل وغير معنيين أساسا بسمعة العمل أو مستقبله، لذلك جملة :»لن أعود هنا مرة أخرى، آخر مرة سأشتري من هذا المكان، هذه آخر مرة سأتعامل فيها معكم، من اليوم فصاعدا سأقاطعكم وسأمتنع عن زيارتكم... إلخ.»، لا تعني لهم شيئا، والجملة الوحيدة التي قد تثير اهتمامهم وتشد انتباههم: «أين المدير؟ من المسؤول هنا؟»!
عدم الشعور بالانتماء للمكان الذي تعمل فيه يولد لديك بطبيعة الحال شعورا بعدم المبالاة واللا مسؤولية، بل قد تكون شكوى العميل هي المخرج الذي سيؤدي إلى طردك من دون الحاجة إلى تبرير ذلك أمام أحد!
أعتقد أنه بات من الواضح لدينا أن القضية متعددة العوامل ومتشابكة العناصر، اختيار الموظف المتمكن، لديه مهارة خدمة العملاء بجانبيها العلمي والفني، مسؤول قادر على خلق بيئة ودية متعاونة مسؤولة تولّد الشعور بالانتماء والمسؤولية لدى موظفيها، نظام التقييم والتقويم والمساءلة والمحاسبة.
الآن سأذهب إلى ما هو أبعد وأعمق لأمسح بيدي برفق على مسألة السياحة في الأردن، والعلاقة التاريخية الوثيقة بين السياحة وخدمة العملاء في العالم كله، فإذا ما استرجعنا ودققنا في حديث أي فرد عائد من سفر، رجلا أو امرأة، صغيرا أو كبيرا، رحلة سياحية أو علاجية أو علمية أو عملية أو تسوّقيّة أو استجمامية، سنلاحظ أن أول ما يتحدث عنه المسافر هو الخدمة التي تلقاها أثناء سفره، سواء على متن الطائرة أو جودة الطعام ونظافته، أو خدمات الفندق، والتسهيلات الخدماتية وجودة المواصلات العامة وخدمات النظافة، وأسلوب معاملة الشعب ومدى وديته وصداقته وتواضعه وتعاونه، وكيفية معالجة المسؤولين لما يعترض المسافر من مسائل وقضايا من دقة وحزم وسرعة واحتراف مهني، هذا ما سيجذب المسافر وما سيتحدث عنه المسافر قبل أن يبدأ بالحديث عن طبيعة الطقس وحضارة المكان وتاريخ الشعب والأماكن السياحية والمناظر الطبيعية وأسلوب العمران وثقافة البلد وهويته.
نحن هنا في الأردن إذا في مأزق كبير نلاحظ نتائجه حتى على السياحة الداخلية لدينا، فأهل مكة أدرى بشعابها، لذلك نفضل زيارة المدن والدول المجاورة في حين أننا لم نزر أكثر المناطق السياحية الداخلية الخلابة لدينا!
نعم أعلم أننا وكالعادة أمام لوحة فسيفسائية تشكل في مجموعها الصورة الأم، فالمشكلة الكبيرة ما هي إلا عدة عقد وعناصر صغيرة مجتمعة، وزارة السياحة ودورها والإعلام الأردني ودوره والبنية التحتية وتوافرها والأسعار الداخلية وغلاؤها والخدمات المقدمة وضآلتها!