قادني سوء الطالع، إلى دخول مستشفى حمزة لمرافقة مريض، وكانت فرصة للاطلاع على معاناة المواطنين. إذ أن مراجعة المرضى تكاد تكون عقابا وليس علاجا، وتعطي مؤشرا على انعكاس تردي الخدمات على سلوكيات الناس، ومن بينها ارتفاع منسوب العنف المجتمعي! واذا كان هذا واقع أحد أهم المستشفيات بالعاصمة.. فكيف حال المستشفيات والمراكز الصحية في المحافظات والأطراف؟
تبدأ الرحلة بمشهد هائل من المركبات تتزاحم، للاصطفاف في مواقف وطرقات وأطراف المستشفى، ثم يدخل المريض مبنى العيادات الخارجية، ويقف في طابور الاستقبال لتقديم ورقة موعد المراجعة، ويطلب منه مراجعة المحاسبة ثم العودة للانتظار! الحديث عن الزحام وضغط المراجعين أمر معروف ،لكن ذلك ليس مبررا للتهرب من توفير متطلبات إنسانية أساسية، فأي عيادة يحتشد فيها منذ ساعات الدوام الاولى عشرات المرضى ومرافقيهم، والمقاعد المتوفرة لا تكفي نصف هؤلاء ، حيث يضطر البقية الى الوقوف ساعات طويلة بانتظار صوت المنادي للدخول على الطبيب، وبالنتيجة من يراجع عيادة الباطنية مثلا قد يعود ب»ديسك»، ومن يذهب الى الاعصاب ربما يصاب باضطرابات نفسية..!
أما اذا فكر المريض خلال ساعات الانتظار قضاء حاجته في «بيت الراحة» فإنه يصاب بالاكتئاب ويشعر بالحاجة للتقيؤ، وعلى أهمية عملية الحوسبة التي يتم الحديث عنها لتسهيل التعامل مع المراجعين،لكن هناك أمورا إدارية وخدمية بسيطة تستحق إعطاءها أولوية ،لكونها تتعلق باحترام كرامة الإنسان ، مثل وضع كراسي أضافية في قاعات الانتظار وصيانة الحمامات !
وكانت مفاجأة ، ظهور» شيخ ملتحٍ « ، كسر رتابة انتظار وقلق المرضى الجالسين والواقفين، بإلقاء خطبة مضمونها قادم من العصور الوسطى ! واستغرب كيف يسمح له بالترويج لأفكار متخلفة في مرفق عام بكل حرية دون أن يسأله أحد ؟ كان عنوان خطبته رسم «خريطة طريق «للوصول الى الجنة ! وبدأ حديثه بتوجيه سؤال للمرضى مضمونه :هل تعرفون لماذا أنتم هنا ؟ وأجاب: «إن ذلك مرتبط بارتكاب المعاصي والتقصير في أداء الواجبات الدينية» ! وأخذ يرشد المراجعين الى كيفية اجتناب المعاصي والاختيار بين الجنة والنار ، وأذكر على سبيل المثال أنه أفتى بعدم جواز الاختلاط بين الجنسين في الدراسة والعمل وفي مختلف مجالات الحياة ، ولم ينس التذكير بأنه « ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما «! وأكد على ضرورة تجنب الاستماع الى الأغاني والموسيقى ! وحذر من تقليد «الغرب الكافر» ،وخلال مواصلته الخطبة تناول من جيبه « هاتفه الذكي» ، ليتفقد رسائل «الواتس أب « ، ولم يتنبه الى أن هذا الجهاز من انتاج «الغرب الكافر «!
حكاية الطوابير وتزاحم المرضى في أقسام الاستقبال والمحاسبة والعيادات والمختبر والصيدلية والأشعة ، عنصر أساسي في رفع درجة توتر المرضى واحتكاكهم مع بعض، واستنزاف أعصابهم ووقتهم ، ويضطر المريض ليكرر الوقوف بالطابور في نفس القسم كالمختبر والصيدلية أكثر من مرة.. وما يزيد المعاناة أن فترة سحب الدم في المختبر، تنتهي عند الحادية عشرة والنصف قبل الظهر، بينما مستشفيات القطاع الخاص تعمل 24 ساعة؟ الامر الذي يجبر المرضى للتزاحم في الطوابير! ومشهد الطوابير ذكرني بما تؤكد عليه الحكومة من حرص على «كرامة المواطن «، وهي تروج لخطط واجراءات لرفع أسعار العديد من السلع أهمها الخبز، ووضع آليات بديلة لتقديم دعم نقدي للخبز ، سيعتمد على الأرجح على الطوابير!
ومن الإجراءات المرهقة للمريض، أنه اذا احتاج الى تقرير طبي للحصول على إعفاء، يأخذ ورقة من الطبيب المختص، ويذهب للمحاسبة لدفع مبلغ 3 دنانير، ثم الى كاونتر خاص بطباعة التقارير فيقف في الطابور، وبعد أن يتسلم التقرير مطبوعا يعود الى الطبيب لتوقيعه، ثم الى شخص آخر لتوقيعه، وبعد ذلك يعود الى كاونتر التقارير مرة أخرى لختمه، ويغادر منهكا مرهقا بائسا الى دائرة الاعفاءات الطبية التابعة للديوان الملكي، ليواجه وضعا مختلفا.. اجراءات بسيطة وسريعة، وأكثر من ذلك وجود حمامات نظيفة بمستوى خدمة فندقية، والمفارقة أن نفس المريض يعود الى المستشفى، ليصطدم بصورة مغايرة في الاجراءات الادارية.. وحمامات مقززة ! دون تجاهل وجود أطباء وكادر طبي واداري، يبذل جهودا طيبة لكن تحت ضغط كبير.