عند تأخير عقارب الساعة سنويا مع ما يعرف بالتوقيت الشتوي، يعود الحنين للعديد من الذكريات الجميلة والخاصة مع البدايات الأولى لاعتماد التوقيت الصيفي والشتوي وقصص التأقلم والحرص على ضبط المواعيد وخصوصا حفلات الأعراس والمناسبات الأخرى.
يمر الوقت بدرجة فائقة السرعة ولحد تتداخل فيه الأيام والأشهر وتمر السنة وكأنها لحظة عابرة وتتبخر معها جميع التفاصيل ولا نستوعب بالضرورة ما حدث أو نستمتع باللحظات أثناء ذلك ونرتاح إلى ابعد مدى.
مع التوقيت الشتوي الآن بالتحديد يطيب لي الحديث عن الوقت الضائع والمستقطع من بنود الحياة اليومية سواء على المستوى الخاص أو العام وبحسبة مباشرة وسريعة وكمثال بسيط عن الوقت اليومي المخصص للبنود والأولويات سواء للمواصلات أو تناول الوجبات ، النوم، الركض وراء لقمة العيش، وبنود أخرى لا يتسع المجال لذكرها ولكن يمكن وصفها بالوقت الضائع من الحياة لعيشها دون قلق وخوف من القادم ذلك المجهول.
وبنفس السياق لو حسب عمر الإنسان منذ الولادة وحتى متوسط عمر معين وطرح من الناتج الوقت الضائع ترى كم يتبقى من عمر يكفي للفرح والأمل والراحة والسعادة وعيش اللحظات بحق وتدبر؟
وفي المقابل أيضا ومع ثنايا العمل العام يلاحظ دون عناء مقدار الوقت الضائع في الاجتماعات والتي تأخذ نصيبا كبيرا من الوقت المخصص للانجاز ومتابعة متطلبات العمل، ولنعمل نفس التمرين لحساب وقت مسؤول في القطاع العام واستقطاع وقت الاجتماعات من مجمل وقت الدوام وبالتأكيد سيكون النتاج دقائق وربما اقل من ساعة للنظر في الملفات المخصصة للتطوير والتحسين خارج بنود جدول أعمال الاجتماعات الرسمية.
أكثر من دراسة أثبتت أن إنتاجية الموظف سواء في القطاع العام أو الخاص لا تتعدي ربع ساعة في اليوم الواحد وان العديد من الوظائف يمكن الاستغناء عنها دون أن تشكل خطرا على العمل وفي هذا السياق ومن الطريف أيضا أن العديد من الجامعات الرسمية والخاصة تعاني من نسب الأكاديمي إلى الإداري حيث يتفوق عدد الإداريين بشكل ملحوظ ويعيق العمل ويؤثر بشكل سلبي على عمل الأقسام الأكاديمية والتدخل في شؤونها في اغلب الأحيان.
ثمة وقت ضائع مع خضم ونمط الحياة المعاصرة؛ فعلى الرغم من زحمة الأحداث إلا أن علينا إيجاد وقت خاص للخلود إلى النفس بعيدا على الالتزامات المبعثرة، يكفي النظر إلى السماء ومتابعة لحظات الغروب أو الشروق وقد يقول قائل: وهل نملك الوقت لهذا الأمر؟ والإجابة نعم: نملك من الوقت ما يكفي لإزاحة العديد من البنود التي لا تستحق من جملة حياتنا اليومية ومنها اللحظات المخصصة للنكد والمشاحنة والمجادلة و»فرودة الواتس آبات « وشرب « النسكافية « من محل على الشارع العام وفتح « الفيس بوك « على مدار الساعة والتعليق دون روية لما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
الوقت الضائع في مجمل حياتنا يحتاج إلى مراجعة للنمط المعيشي الذي نمارسه ونصبح أسرى له داخل سجن الروتين والتعود و» التناحة « دون مبرر مقبول أو حد أدنى من قابلية التفهم لرسالتنا وهي اعمار الكون والمساهمة الايجابية عبر مشوار الحياة.
ليس الهروب المدمر وقضاء الوقت لقتل الفراغ هو الحل؛ يكمن الحل في تحدي وضعة أستاذ ومربي فاضل أمام طلابه وأهلهم على حد سواء لشطب الموبايل من حياتهم وبشكل كامل والعودة للقراءة والكتابة والاهتمام بتطوير خط اليد والعودة للنسخ من جديد والنظر إلى جمال الطبيعة وزراعة ولو «قوار» على «حفة» النافذة ومتابعة النمو والاستمتاع بالحياة وطعم الغذاء المنزلي من يد الأم الغالية والجلوس معا في جو اسري ودي وتبادل أطراف الحديث والحوار والعيش تحت سقف واحد وبيت يتسع لأحلام ومشاريع الجميع بنكهة خاصة ووقت جميل وذكريات تدوم إلى آخر العمر.
نعود مع التوقيت الشتوي ستين دقيقة للوراء، فهل نرجع للوراء قليلا ونراجع مجمل ما حدث معنا ونستفيد منه للانطلاق من جديد لتوقيت مختلف تماما يشير إلى انجازات حقيقية مع وعكس عقارب الزمن الحضاري والثقافة الراقية والسلوك الإنساني والاجتماعي السوي.
نعود في كل مرة ومع التوقيت الشتوي وحتى الصيفي للسؤال عن مدى حساب العمر الحقيقي لنا كشعوب وأمم مقارنة مع الشعوب والأمم الأخرى وسعيها الدائم لنيل الحرية والتقدم والسعادة والتميز والرقي والنظر إلى المستقبل بأمل ورجاء.
ذات مرة وضمن صفحة مع المواطن، كانت تخصص مساحة للقراء وكتابة هوياتهم ونشر صورهم وحتى عناوينهم للتعارف، أدهشتني عبارة لأحد القراء لهواية الساعاتي ألا وهي: إضاعة وقته لضبط أوقات الآخرين، فهل نفعل مثله تماما، نضيع الوقت ونحسب أننا ننجز ما نريد ونصدق ذلك طويلا؟
وأتذكر أيضا الوقت بدل الضائع في المباريات الرياضية وأتمنى لو تتاح لنا مع جولاتنا في الحياة مثل ذلك علنا نستفيد من فرص كانت في اعتبار الضائعة تماما كالنملة والصرصور وقصة التوفير في الصيف لقدوم الشتاء.
يطول الحديث عن التوقيت ولكن ما أعظم قدرة الخالق جل في علاه لإخفاء موعد رحيلنا عن الدنيا ومقدار رزقنا وسمة حياتنا.. سبحانك ربنا ما أعظم شأنك.
الوقت الضائع
11:30 27-10-2017
آخر تعديل :
الجمعة