الإنزياحات الخطيرة في الشخصية الأردنية

تاريخ النشر : الأربعاء 11:00 25-10-2017
رومان حداد

أثبتت العديد من الدراسات أن كل شعب من الشعوب يتمتع بمجموعة من المميزات والخصائص التي تكسبه هويته الاجتماعية والسياسية، وهو ما أطلق عليه باسم الشخصية الوطنية، وبناء على فهم المقومات العامة لكل شخصية وطنية يمكن قراءة العديد من الأمور المتعلقة بكل دولة.

ولكل شخصية وطنية مجموعة من الخصائص الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية تميزها عن الشخصيات الوطنية الأخرى المحيطة بها. وقد وفرت بعض الأعمال والدراسات التي أجريت أخيراً تقييمات مصدقة لملامح الشخصية لأكثر من 50 ثقافة، ونظمتها وفق مجموعة من المعايير، وقد بدأ علماء النفس وعلماء الاجتماع في استكشاف فائدة ملامح الشخصية الوطنية الإجمالية، والتي تعكس الاختلافات الدقيقة ولكن الحقيقية بين الثقافات في مستويات متعددة تؤدي إلى وجود اختلافات في سمات الشخصية الوطنية لكل شعب.

وعلى أهمية ما قدمه الدكتور معروف البخيت، وهنا لا أتكلم عنه بصفته رئيساً سابقاً للوزراء بل بصفته باحثاً، حول قراءة تطور الشخصية الوطنية الأردنية، فإني أرى أن هذا المجال ما زال يحتاج العديد من الدراسات المتعمقة لتحديد بدء تاريخ تشكل الشخصية الوطنية الأردنية، وما حدث أو طرأ من تغيرات على هذه الشخصية على مر عقود من الزمان، مع إدراك أهمية الأخذ بالمؤثرات الثقافية والاقتصادية كأدوات تغيير وانزياح في الشخصية الوطنية الأردنية، ودور الدولة في تشكيل هذه الشخصية.

حين نقرأ الحالة الأردنية علينا أن نقر أن نشأة الدولة الأردنية قد سبقت تشكل حالة الشخصية الوطنية الأردنية، بمعنى أن حالة الدولة بما فرضته من علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية كانت هي المشكل الحقيقي لهوية الشخصية الوطنية الأردنية، فكانت الدولة هي اللاعب الرئيس في تشكيل الهوية الأردنية عبر مؤسسات لعبت الدور الأكبر في تحديد ملامح هذه الشخصية، وأبرز هذه المؤسسات هي الجيش والمؤسسة البيروقراطية المدنية.

كما لا بد من الإشارة إلى أن هناك مدخلين مؤاثرين على تشكيل هوية الوطنية الأردنية وهما الاقتصاد السياسي للدولة والتعليم، فمن خلال رؤية الدولة الاقتصادية وتشكيلها نمط من العلاقات الاقتصادية بين الدولة والمواطنين وتعميم هذا النمط وتكراره، كل ذلك أدى إلى تشكيل شخصية وطنية اردنية ربطت بين ابن المدينة بابن الريف والبادية والمخيمات، وربطت ابن الغور غربي الأردن بابن البادية شرقي الأردن وربطت الشمال الحوراني بالجنوب الحجازي في إطار عملية مدروسة لتشكيل الهوية الوطنية الأردنية.

كما برز التعليم كأحد أبرز المشكلات للشخصية الوطنية الأردنية سواء من خلال التعليم المدرسي، خصوصاً بعد تحويله على تعليم إجباري مجاني في عهد الملك طلال، ثم أثر التعليم الجامعي بوجود جامعات قليلة موزعة في الشمال والوسط والجنوب، وصولاً لانتشار الجامعات في كل المحافظات وأثرها في تغيير تكوين الهوية الوطنية الأردنية.

كانت الشخصية الوطنية الأردنية تتسم بالبساطة والتعاون والابتعاد عن العنف وتقبل الآخر واحترام الاختلاف، هذه السمات الخمس الرئيسة للشخصية الوطنية الأردنية بدأت بالتلاشي تدريجياً بصورة لم نلحظها حتى تفاجأنا اليوم بشخصية أردنية ابتعدت عن البساطة وبدأت تميل للعنف بصورة مبالغ فيها ولا تتقبل الآخر، هذا الانزياح الخطير بالشخصية الوطنية الأردنية سببه عدة عوامل تتحكم بها الدولة.

فمثلاً انهيار البيروقراط الأردني على مدى سنوات متتالية كان نتيجة الفجوة المجنونة بين رواتب القطاع الخاص والرواتب الحكومية، مع تعزيز النمط الاستهلاكي لدى المواطن الأردني، مما خلق فجوة أخرى بين ما يملك وما يرغب، ولسد هاتين الفجوتين بدأت تظهر الرشوة كسلوك معتاد للموظف العام، أو على الأقل هذا ما تتناقله سرديات المواطنين يومياً، بالإضافة إلى ضعف في الإنتاجية بسبب تكاسل الموظف الذي لا يرى أن راتبه يساوي ما يقدمه من جهد، مع شعور عام بالاطمئنان إلى عدم قدرة الإدارة على فصله، كل ذلك أضعف الدولة وشوهها في نظر المواطن فضعف المصدر الأخلاقي للعمل واحترام الدولة.

أما السياسات الاقتصادية المتتالية التي تذهب إلى رفع الضريبة وما يؤدي ذلك إلى غلاء الأسعار، فقد ساعد على تغيير نفسي لدى الأردنيين ليغلب التوتر عليهم ويتحولوا إلى شخصيات عصبية وعنيفة تدريجياً، هذا السلوك تم تعزيزه في ظل غياب آليات المحاسبة والعقاب لمن يرتكب أعمالاً أو سلوكاً عنفياً، وهو ما أدى إلى تفشي ظاهرة العنف في السلوك اليومي للمواطن الأردني، وبات العنف أحد المظاهر السلوكية للشخصية الوطنية الأردنية.

ولم يتوقف دور الدولة في تغيير الشخصية الوطنية الأردنية عند هذا الحد، بل تعداه لتمس مكون قبول الآخر في الشخصية الوطنية الأردنية، وذلك عبر التعليم المدرسي والجامعي. فرداءة المناهج التعليمية وضعف أداء المعلم خلال ما يزيد عن عقدين من الزمن أنتج جيلاً لا يحترم المعرفة واختبر الغش بصورة واسعة للحصول على نتيجة عالية، وتمت مكافأته على الغش ليدخل الجامعة، وهو اليوم أصبح مدرساً لجيل جديد من الطلبة.

أما على مستوى التعليم الجامعي فيبدو أنه لعب الدور الأبرز في تحطيم الهوية الوطنية الجامعة وتشكيل الهويات الفرعية وإعلائها، فانتشار الجامعات في كل محافظة من محافظات الأردن، بحيث يشكل طلاب كل محافظة ما يقارب 80% من طلاب الجامعات في تلك المحافظات، أدى إلى انغلاق في عقلية الطلبة الجامعيين وشعورهم بالهوية الفرعية كهويتهم الأساسية ورفضهم للآخر.

ولا بد من ملاحظة أن غياب خدمة العلم والجيش الشعبي أدى بصورة واضحة إلى غياب البوتقة التي يتم فيها صهر الشخصية الوطنية الأردنية وتشكيلها بما فيه مصلحة للوطن، وانتماء له.

الدولة اليوم مسؤولة بصورة واضحة عما حدث من انزياحات كبرى ومؤثرة بالشخصية الوطنية الأردنية، وستتحمل الدولة النتائج على هذا التغيير، فالدولة في النهاية ستأخذ رجالها ونساءها من هذا المجتمع، وبالتالي عبر هؤلاء سينتقل المرض المجتمعي إلى اركان الدولة ومفاصلها، وحينها تكون الدولة قد آذت نفسها بسياساتها غير المدروسة، وتلكؤها بمعالجة المرض.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }