في العديد من المؤتمرات المتخصصة التي اشارك بها والندوات العامة التي احضرها، أسمع من بين المتحدثين أو المعقبين من يقول إن المشكلة الرئيسية التي تواجه الباحثين هي فقدانهم أو حرمانهم من نعمة الحرية في طرح أفكارهم أو صياغة آرائهم أو ابداء وجهة نظرهم، في القضية المطروحة للنقاش او المشكلة التي يتناولها البحث أو المسألة التي تسعى الدراسة الى حلها، ويقولون إن هذه الحرية مفقودة في المجتمع الأردني وسائر المجتمعات العربية، لا بل ومجتمعات الدول النامية برمتها، وهم يلمحون الى أن هذه الحرية المفقودة اما ذات طابع رسمي سياسي ينطوي على المنع والقمع واما ذات طابع ثقافي اجتماعي ينطوي على النبذ والتنديد.
أفهم أن هذه الحرية التي يتحدثون عنها ويطالبون بها، ويعتبرون انفسهم كما سائر الباحثين في بلدانهم محرومين منها، مطلوبة وضرورية للبحث العلمي، وهي من شروط نجاحه وجدواه، وأدرك أن المؤسسات الأكاديمية والبحثية الرسمية منها والخاصة، عليها ان توفر أجواء مريحة ومنطلقة وصافية للباحثين والأساتذة، واعرف انها تعمل على توفير تلك الأجواء في الأردن وبخاصة، والأقطار العربية عامة، بعد ان انقشعت غمامة حكم الحزب الواحد، أو تفككت قيود الانقلابات العسكرية والانماط الديكتاتورية، وتلاشى التركيز على فردية الحكم وشخصية القائد الاسطوري، في الأقطار التي ابتليت بمثل ذلك او مرت بمثل تلك التجارب.
وإنني كمواطن متابع ومراقب أعي أن جزءا من تلك الشكوى التي يبديها الباحثون او المهتمون بالبحث العلمي او المعنيون به بطريقة مباشرة او غير مباشرة، والتي تتمخص عن تاكيد المطالبة بالحرية، تتصل بالبحث العلمي بالقضايا الانسانية التي تمس: المعتقد الديني، او الثقافة المجتمعية الوطنية والقومية (بما تتضمنه من نواميس اخلاقية واساليب تعامل وطرق تفكير واتجاهات وقناعات) أو النظم السياسية والاطر الأمنية الداخلية والخارجية للدولة – أية دولة – ذلك النوع من البحوث والدراسات التي قد تمس بتحليلاتها واجتهاداتها ما يعتبر مقدسا او محصنا أو يتصل بكرامة الانسان أو سمعة المجتمع. ولكن مثل ذلك كيف يتصل بالبحث العلمي البحت، والذي يتصل بالطب والهندسة والزراعة، أو يرتبط بالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، او له علاقة بالجيولوجيا والفلك والمناخ؟
اما اذا ما قصد بما سبق اعداد الاجيال وجهة صحيحة سديدة، نحو الحقائق العلمية وتحليل المسائل الحياتية، بطرق موضوعية وبتفكير ايجابي حريص أمين، فهذا ما يجب ان يعود الأساتذة في الجامعات طلبتهم باستمرار، وباهتمام شديد من جانب هؤلاء الأساتذة، الذين يتوقع منهم ان لا يتركوا فرصة صغيرة ولا كبيرة امام طلبتهم، الا واتاحوا الفرص امامهم، لكي يفكروا ويحللوا، ولا يدعوهم يقبلون اية معلومة على علاتها، ولا يتعلقون بوجهة نظر الاستاذ، ولا ينظرون الى الكلمة المطبوعة انها حقيقة مؤكدة.
أما المدرسة فهي المسؤولة اساسا عن تدريب الطالب على الاستيعاب، وعلى استقبال ذهنه للمعلومات ورفض تخزينها اجترارا وتكديسا، بدون تفكير وانتقاء وتصنيف، وبدون ايجاد العلاقة بين أجزائها من ناحية الترابط والتاثير ومن ناحية السبب والنتيجة، وبدون تخويف للطالب او توتير لأعصابه او التعامل معه باستعلاء او اهمال، وعدم مغادرة اي موضوع قبل التيقن من فهم الطلبة له والقدرة على ربطه بما سبق ان تعلموه.
وأما البيت فهو الحقل الأول لتدريب الأبناء على هذه الحرية التي ننشد ان يتمتع بها الانسان، وان يحافظ عليها طوال حياته، ويعيش في اجوائها، كمواطن حر التفكير منطلق الابداع غزير الانتاج، يشعر بالمسؤولية، يمد علاقاته مع اقرانه، يستمع الى النصح من أبيه وأمه من غير تقليد اعمى او نقل بليد.