يقف الإعلام اليوم في مساحة رمادية، فضعف الأداء العام وحالات الهجوم المتكرر على شخصيات سياسية عبر استخدام الإعلام بغية تصفية حسابات شخصية بين أفراد النخبة السياسية (إن جاز تسميتها كذلك)، كل ذلك وضع الإعلام ودوره تحت الضوء، وكشف عيوباً شكلت بتراكمها خللاً جوهرياً في أدوات الإعلام ومفهومه والدور الذي يلعبه، وكعادة إعلامنا المهجوس، يحاول كثير من الإعلاميين التشدق بالنظريات المثالية عن المهنية متكئين إلى مقولة جلالة الملك الحرية حدودها السماء، في محاولة لإبعاد الشبهات عن أنفسهم، من دون الحديث بصراحة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الإعلام إلى هذا المربع الصعب من العلاقة مع الدولة الأردنية بمختلف مكوناتها من الرسميين والمواطنين، ودون تقديم مراجعة حقيقية حول دور الإعلام في أزمة الثقة بين المواطن والدولة.
كثيراً ما تحدث جلالة الملك عبد الله الثاني عن الإعلام وضرورة تمتع من يمارسونه بالمهنية وأخلاق المهنة، وكلما تناول جلالته موضوع الإعلام تتسابق أقلام الإعلاميين والصحافيين لكتابة مقالات وتحليلات حول أهمية التركيز على المهنية ليقوم الإعلام بالدور المنوط به مهنياً ووطنياً، دون أن تنعكس تلك المقالات إلى واقع حقيقي وملموس ويتم تطوير الإعلام، ولا نرى أي تحرك جاد وحقيقي بهذا الاتجاه.
خلال ما يقارب الثلاثة عقود تعرض الإعلام الأردني لصدمات لم يكن جاهزاً لتلقيها، هذه الصدمات التي لم تقتل الإعلام لكنها لم تجعله قوياً، بل أحدثت شروخاً لا يمكن التغاضي عنها، وسببت تشوهات بنيوية في الجسم الإعلامي، أدت إلى إفراز حالات عديدة شكلت ظواهر إعلامية من دون أن تكون المهنية هي الرافعة الحقيقية لها.
وعلى الطرف الآخر من عمان الغربية كانت ظاهرة أخرى تتشكل بهدوء، وهي ظاهرة الصالونات السياسية، التي بدت كإفراز منطقي ومبرر لضرورات الحراك السياسي الذي افتقد للأحزاب والأيدولوجيات، فالسياسة لا تقبل الفراغ، وأي فراغ في المشهد السياسي لا بد وأن يتم ملؤه، فكانت الصالونات السياسية بتحالفها غير المقدس مع بعض الإعلاميين ووسائل إعلام هي أبرز أدوات التحرك السياسي الذي ملأ الفراغ في المشهد السياسي على المستوى الداخلي.
وبسبب غياب الأسس الواضحة لظهور نجم سياسي أو إعلامي وكذلك لغياب هذا النجم أو تغييبه، صارت أرضية الفرص المتساوية للجميع «بمفهومها السلبي»، أي بعيداً عن معايير واضحة كالقدرة والمعرفة وامتلاك الأدوات الضرورية، مرتعاً لكل من يستطيع الارتقاء إلى مراتب عليا استناداً إلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وصار قرب الإعلامي من مسؤول سياسي على رأس عمله أو سابق أو ربما ممن ينتظر دوره السياسي القادم هو المعادلة الحاكمة لظهور الإعلامي وترزقه والترويج للسياسي وطموحه.
هذا المشهد السياسي الإعلامي الفانتازي في الأردن لم يظهر فجأة إلى العلن، بل مر بمراحله المختلفة منذ لحظة الولادة إلى ما وصل إليه حتى الآن، وهو لم يكن يعمل بالخفاء أو تحت الأرض، بل كان يمارس أدواره المختلفة على مرأى أجهزة الدولة المختلفة، والتي لم تكتف بالنظر بل ساهمت في مفاصل معينة في تشكيله وتطوير أدواته.
فمشكلة الإعلام هي مشكلة الدولة التي لم تحسم أمرها بعد حول شكل العلاقة مع الإعلام، فهل يعتبر الإعلام ابن حلال لحالة الدولة الأردنية أم أن علاقته بالدولة مازالت ضبابية وغير معرفة أو محددة مما يبقيه قابلاً للارتهان لظروف قاهرة تدفعه للانزلاق والتعثر كي يبقى حياً ينتظر يوماً جديداً لعله يتحرر من القيود ويعبر الحواجز.
فالنظريات العديدة التي أدير بها الإعلام خلال ما يقارب العقود الثلاثة من الزمن كانت محل سؤال حول صلاحيتها وجدواها، وهل أنتجت إعلاماً وطنياً، كما كان يبرر أصحاب هذا التوجه، أم أنها أنتجت (مسوخ) إعلام قادرين بلحظة واحدة الإنقلاب على (الأب) وقتله دون أن تأنيب ضمير أو وازع أخلاقي يقلقهم في لياليهم الطويلة؟
فالتاريخ الإعلامي والذاكرة الجمعية الإعلامية الأردنية تذكر قصة الأسبوعيات، صعودها المدعوم من صالونات سياسية والممسوك بيد (...)، إلى سقوطها المدوي بعد أن استنفدت مبررات بقائها، فتم إجهاض الحالة الإعلامية الأسبوعية وتصفيتها من دون أن يُحسب حجم الخسائر الإعلامية لمثل هذه التصفية على الذهنية الإعلامية وترسيم قوانين اللعبة بين الإعلام والدولة.
فالإعلام، لمن يحاول أن ينسى، هو السلطة الرابعة القادرة على مراقبة الجميع بما فيهم الإعلام نفسه، ولا نستطيع أن نضع العصي في عجلة التقدم التكنولوجي الذي يفسح المجال أمام الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي ولا نقدر على وأد الإعلام المطبوع والتحلل من دمه.
هذا المشهد المخيف لا بد من وضع نهاية له، ما يعني خوض معركة حقيقية على أرض الواقع مع من يملك مصالح لا يستطيع التنازل عنها إرادياً بل يجب أن يخسرها تماماً، ويوجب على أجهزة الدولة المختلفة إعادة قراءة دورها والتأكيد على مفهوم الدولة الأردنية والفلسفة التي تقوم عليها، كل ذلك لا يعني التغول على الإعلام والعودة خطوات إلى الخلف في مجال الحريات العامة والحريات الصحافية، بل عبر إيجاد آليات حقيقية لإفراز النخب في الأردن، فالعلاج الحقيقي علمياً لا يعني التعامل مع العارض المرضي بل مع المسبب للمرض.
الحرف يبني أمماً ويهدم أخرى، وكما يمكن للإعلام أن يقوم بدوره المهني المستند إلى الموضوعية، إلا أنه لا يمكن تكميم الأفواه وكسر الأقلام وعطب أزرار الحاسوب إذا ما تجاوز الحدود، وكل المحاولات السابقة والفاشلة لتقزيم الإعلام وتهميشه هي التي خلقت ذلك المسخ الذي نحاربه الآن.