وبينما أنا جالسة في بيت إحدى جاراتي، صدمت عندما شاهدت ابنها ذا السنوات الأربع يطلب منها أن تسلمه خرطوم (بربيش) الأرجيلة محاولا التدخين، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت استجابة سريعة من والدته، ما دفعني إلى التدخل، إذ انتزعتها من يده وطلبت منه الابتعاد والخروج من الغرفة، التي امتلأت بهواء ملوث.
وما صدمني أكثر قولها أنها تشعر بسعادة بالغة لرؤية ولدها يدخن معللة ذلك بأنها أصبحت تراه رجلاً.
وخلال جولتي بين محلات بيع السجائر والأراجيل رصدت دخول مراهق يدعى «عدي» ويبلغ من العمر (14) سنة، إلى أحدها، طالباً من البائع شراء الأرجيلة ذات الحجم الصغير، وتبين من سؤاله أنه يطلبها لنفسه، وليس لأحد آخر، وأن أهله لا يعلمون أنه يدخن، مما أثار استغرابي فسألته كيف تدخن وأهلك لا يعلمون، فأجاب عندما ينام أبواي أدخن الأرجيلة مع أخي الكبير، ونأخذها معنا عند خروجنا مع أصدقائنا خلال سهراتنا في الساحات العامة والأرصفة.
ويبين عدي بأنه يدخن الأرجيلة لأنها تملأ أوقات الفراغ وتجعله في مزاج جيد يعيش أجواءً جميلة، خصوصا في العطل المدرسية، إذ يسهر مع أصدقائه ليلا وينام نهارا، وفي نظره أن الرجال يصبحون أكثر وسامة ورقيّا عندما يدخنون، على حد تعبيره.
وهو تعلم تدخين الأرجيلة من أصدقائه في المدرسة، إذ كان يدرس عند صديقي الذي كان يتناول الأرجيلة بصحبة والده ولطالما شجعه على تدخينها، ويذكر بأن كل فرد في عائلته لديه أرجيلة خاصة، وبدأ بإقناعه بأنها مسلية وتخفف من ضغوطات الحياة.
صار تدخين الأرجيلة في البيوت أمرا طبيعياً وعادياً، ونوعاً من أنواع «البرستيج» الترويح عن النفس، كما يقولون، دليلاً على الرقي والتحضر، في نظر بعض الناس، وسط جهل الأسر بأضرار تدخين الأرجيلة، وبخاصة التدخين السلبي وتأثيره على باقي أفراد العائلة وخطر تقليد الأبناء آباءهم في السلوكيات السيئة، بمباركة منهم.
في عمر الزهور يدخّنّ «الأرجيلة»
لا تقتصر ظاهرة التدخين على اليافعين الذكور، بل تعدتها إلى الفتيات الصغيرات، فهذه سهى ذات الـ(16) عاماً تبين بأنها بدأت التدخين منذ عام، وترجع السبب إلى والدتها، التي تدخن «الأرجيلة» يومياً، فأصبح لديها رغبة منها في خوض التجربة إلى أن أصبحت مدمنة على تدخين الأرجيلة، على الدوام، مع صديقاتها وفي البيت.
قصص وحكايات كثيرة عن صغار سلب التدخين عافيتهم وجعلهم يعيشون برفقة علة أو مرض صدري، على الأقل، لكن يبقى الصغار أكثر ضحايا هذه الآفة القاتلة.
ويعزو المستشار الأسري أحمد عبدالله إلى تدخين صغار السن والمراهقين إلى الرغبة في تقليد الكبار والفهم الخاطىء للبلوغ، والفضول وحب التجريب، من باب كل ممنوع مرغوب، ولاحظ بأن التدخين لدى الأطفال هو البوابة الأولى لباقي الانحرافات.
الأرقام تحذر
تشير الدراسات الواردة ضمن تقرير «واقع حال التبغ في الأردن» للعام 2013، الذي أعدته مؤسسة ومركز الحسين للسرطان بالتعاون ووزارة الصحة وأمانة عمان والأمن العام والإئتلاف الوطني الأردني لمكافحة التدخين وجمعية لا للتدخين ولجنة مكافحة التدخين في جامعة البتراء، إلى أن نحو (26%) من الطلبة في الفئة العمرية (13- 15عاما) يستخدمون منتجاً واحداً من منتجات التبغ في الأقل. ويبين التقرير أن نسبة مدخني السجائر تشكل 12% للذكور والإناث في حين أن نسبة مدخني الأرجيلة تبلغ 21% من الذكور والإناث. ويذكر التقرير نفسه أن نسبة تعرض اليافعين للتدخين القسري في المنزل 54% وفي الاماكن العامة 51%. ومن اللافت للنظر أن ٢٠% من الطلاب المدخنين بدأوا التدخين قبل سن العاشرة وأن متوسط عمر البدء بالتدخين هو ١١-١٢ عاما.
فيما بينت نتائج المسح العالمي للتدخين بين الشباب عام ٢٠٠٩ الذي اجرته منظمة الصحة العالمية للفئة العمرية ١3-١٥ عاما أن ٣٤% من الذكور، و١٩% من الإناث يستخدمون التبغ. وفيما يخص الأرجيلة فنجد أن من يدخنوها في المنزل (٤٤%) او في المقهى (١٥%) أو في منازل الأصدقاء (١١%) بالإضافة إلى غيرها من الأماكن وفق الدراسة العالمية.
استهجان واسع للتدخين في الأماكن العامة
من خلال استطلاع أجرته «الرأي» على عينة عشوائية قوامها 200 فرد من الآباء والأمهات وطلبة المدارس المتضررين من التدخين السلبي، وجد الاستطلاع استهجانا واسعا لما يتعرض له صغار السن والمراهقين من أضرار صحية جراء استنشاقهم للهواء الملوث بالتدخين.
وتوصلت النتائج إلى أن 91% لا يؤيدون للتدخين في الأماكن العامة، و7% لم يعارض التدخين في الأماكن العامة بينما كانت نسبة المحايدين 2%.
وتبين من خلال الاستطلاع أن صغار السن والمراهقين هم الفئة الأكثر تضررا من التدخين السلبي الناتج عن دخان والأرجيلة. وطالبت فئة الاستطلاع بتفعيل قوانين مكافحة التدخين في الأماكن العامة وخصوصا المدارس مع ضرورة إقلاع الأهل والمعلمين عن التدخين ليكونوا قدوة لصغار السن والمراهقين وحمايتهم من التقليد والتدخين السلبي.
غياب الوعي الصحي
كانت الحسرة الممزوجة بالدمع تغمر وجه «خلود» طوال حديثها إلى «الرأي» وهي تروي كيف أصيب ولدها الوحيد بالربو جراء تدخينها الأرجيلة هي وزوجها في الغرف مغلقة في بيتهم بوجود طفلهما، تقول خلود: «لم أكن أعلم أن تدخيني وزوجي بحضور ولدنا، يومياً، سيصيبه بمرض الربو وهو لم يتعد الثلاثة عشر ربيعاً، إذ أبلغنا الطبيب أن سبب إصابته بالربو هو تعرضه للهواء الملوث من الدخان المتصاعد من تدخين «الأرجيلة»
ويبين رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة التدخين الدكتور محمد شريم أن أضرار التدخين الصحية على صغار السن تتمثل في أنها تراكمية على مدار السنوات، فتارة يصاب الأطفال بحساسية في العيون والوجه، وتارة أخرى يصابون بحالات الربو، وقد يصل الطفل في بعض الحالات إلى درجة الاختناق.
ويلفت إلى أن التدخين يضر بكل خلية من خلايا الجسم لأن مكوناته تمتزج بالدم وتزيد من خطر الإصابة بأمراض اللثة والبلعوم والعقم، وقد وجد أن 33% من الأمراض السرطانية تصيب المدخنين بنحو أكبر من الأشخاص غير المدخنين، وبخاصة إذا بدأ الأمر مبكرا، وشدد على أن الشخص المعرض للتدخين السلبي يتعرض للأضرار نفسها، التي تصيب الشخص المدخن.
وترى منظمة الصحة العالمية أن نَـفََس الأرجيلة الواحد يساوي تدخين مئة سيجارة أو أكثر، وان الفحم المستخدم في الأرجيلة ينتج مستويات مرتفعة من أول أكسيد الكربون»غاز سام خانق» والمعادن والمواد المسببة للسرطان.
ويؤدي استخدام نفْس الأرجيلة من قبل أكثر من شخص إلى انتقال عدوى الأمراض بينهم، وبين التقرير إن الأطفال الذين يولدون لأهل يدخنون الأرجيلة هم أكثر عرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي.
بداية الانحرافات
لم يكن علي يعلم (16) عاما أن تدخينه للأرجيلة في أحد مقاهي الأرصفة أن يقع فريسة مروجي المخدرات العاملين على تقديم الأرجيلة بوضع «حشيش» داخل «رأس المعسِّل» «لتعديل المزاج».. ليجبروه لاحقا على شرائها بأسعار مرتفعة جدا بعد أن صار مدمنا عليه، وينتهي به المطاف إلى الفشل والتوقف عن متابعة الدراسة، إلى أن استدرك أهله الوضع بعد أن لاحظوا تراجعه وعصبيته الزائدة وتوتره، ليعالجوه في أحد مراكز الإدمان.
وتحذر خبيرة أمراض التدخين الدكتورة هبة أيوب من أن التدخين يؤثر على النمو الجسدي لصغار السن وعلى نمو الدماغ، بالإضافة إلى الأضرار النفسية، المحيطة بهم جراء التدخين، فيصبح لديهم قابلية لتجريب المخدرات والكحول. وتشير إلى أن اكتمال نمو الرئة يتم في عمر الـ25عاماً، على وجه التقريب، وأن كثيراً من الشباب واليافعين يعانون من أمراض في الرئة والقلب بسبب ممارستهم التدخين وهم صغار السن.
وتبين أن العلاج يبدأ من البيت والمدرسة لأن الطفل يميل إلى تقليد أهله ومعلميه، مع ضرورة مراقبة الأهل لأبنائهم، فالكثير من الأهالي يعتقدون أن عدم ممارستهم للتدخين يبعد أبناءهم عنه، غافلين عن أن أبناءهم يتأثرون كذلك برفاق السوء الذين يعلمونهم التدخين.
وفي أثناء زيارة «كاتبة التحقيق» لأحد مقاهي الأرجيلة التقت مراهقين يتواجدون هناك ويتعاطون الأرجيلة كنوع من الترفيه والنضوج ويشعرون أنهم أصبحوا رجالا مستقلين بالرغم من منع القانون دخول صغار السن والمراهقين مثل تلك المقاهي.
و تذكر رئيسة جمعية (لا للتدخين) فاتن حداد أن هناك عدةّ أسباب لتدخين صغار السن ومن أهمها رخص منتجات التبغ مقارنة بالدول الأخرى والترویج لها وبیعها لمن هم أقل من 18 عاما والسماح لهم بالدخول إلى مقاهي الأرجیلة خلافا لقانون الصحة العامة الذي یمنع ذلك، وبينت أن الأردن وقع في العام 2004 الاتفاقیة الإطاریة لمكافحة التبغ مع منظمة الصحة العالمیة.
طلبة المدارس ومقاهي الأرصفة
التقت كاتبة التحقيق مجموعة من صغار السن والمراهقين المتواجدين على أرصفة الطريق، مشكلين عدة حلقات برفقة الأراجيل التي يجلبونها من البيوت او من «متضمن الرصيف» الذين يقدمون خدمة الأراجيل في الساحات والشوارع العامة.
يقول عمر البالغ «13عاما» أنه يتردد بشكل مستمر هو وأصدقاؤه على هذه المقاهي «لكونها أقل سعرا ولا تكلفنا في بعض الأحيان إلا ثمن المقاعد».
مواقع التواصل وتدخين الصغار
رصدت كاتبة التحقيق بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتجد عدداً من أصحاب هذه الصفحات ينشرون فيديوهات وصوراً لأطفال وهم يدخنون الأراجيل للضحك والمباهاة، متجاهلين أن مثل هذه السلوكات غير صحية وستؤذي صحة أبنائهم وتشجعهم على ممارسة التدخين مبكرا.
ويرى خبير علم النفس التربوي الدكتور عماد الزغول أن نشر الآباء الصور والفيديوهات المصورة لأبنائهم الصغار هو سلوك خاطئ لأنه سيصبح نموذجاً معززاً ومشجعاً لصغار السن للتدخين، مشيرا إلى خطورة القدوة السيئة عندما يرى الطفل والديه يمارسون التدخين ويعتقد أن التدخين شيء ممتع وجيد، مما يدفعه إلى التقليد والتجربة ومن بعدها تصبح عادة وتستفحل لتصل إلى درجة الإدمان.
ويوضح الزغول أن علاج صغار السن ودفعهم إلى الإقلاع عن التدخين يتم من خلال عرض نماذج لأشخاص أصحاء آخرين وغير أصحاء بسبب التدخين وإشغال أوقات فراغهم بالأنشطة والهوايات المفيدة لهم من خلال النصح والإرشاد والتشجيع.
التشريعات والقوانين
يشير المحامي خالد الرواشدة إلى أن القوانين الخاصة بمكافحة التدخين في الأردن قوية ورادعة إلا أننا نواجه مشكلة تكمن في تفعيلها.
ويذكر بأن الأردن صادق على الإعلان العالمي لحقوق الطفل واتفاقية حقوق الطفل ويلفت هما إلى أن الاتفاقيات الدولية تسمو على القوانين المحلية، أي أن الأردن ملزم بتعديل القوانين بما يتوافق مع هذه التشريعات الدولية ولا يخالفها.
ويبين أن قانون الصحة العامة المعدل (47) لعام 2017 يقضي بمنع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة، إذ يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن 3 أشهر أو بغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تزيد على مئتي دينار «كل من قام بتدخين أي من منتجات التبغ في الأماكن العامة المحظور التدخين فيها، كما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن ستة أشهر أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن ثلاثة آلاف دينار لسماح المسؤول عن المكان العام المحظور التدخين فيه لأي شخص بتدخين أي من منتجات التبغ في المكان وعدم الإعلان عن منع التدخين في المكان العام وبيع السجائر بالمفرد ولمن هم دون الثامنة عشرة». ويشير الرواشدة إلى أن قانون الأحداث الأردني حظر أي ممارسات تسهل على الحدث الحصول على منتجات التبغ، ذاكراً أن قانون الصحة العامة يمنع تدخين أي من منتجات التبغ في المكان العام وفرض عقوبات على من يخالف هذا الحظر.
ومن جانبه، يلفت حاتم الأزرعي الناطق باسم وزارة الصحة إلى أن هناك إجراءات ميدانية رقابية مكثفة تبذلها الوزارة لإنفاذ القانون والتركيز على المنشآت السياحية لضمان عدم السماح بتقديم الأرجيلة للفئة العمرية دون 18 عاما وتم تغليظ العقوبة.
لكن مع كل ما ينشر ويذاع ويصرح به رسميا من جهود ومبادرات وفرض قوانين وتعليمات مشددة للحد من تنامي هذه الظاهرة، ما زلنا نجدها في اتساع.
معلومٌ أي قانون يعلن صراحة أن المسؤول عن تنفيذ بنوده هم رئيس الوزراء والوزراء أي أن المسؤولية تقع على الحكومة بشكل رئيس، إضافة إلى دورها التوعوي من خلال وزارة التربية والتعليم..
فأين يكمن الخلل..؟