التمييز بين الشهرة العابرة والقدوة الحقيقية ضرورة تربوية
الأسرة والمدرسة والجامعة شركاء في بناء الوعي الرقمي
أبو حصيرة: المؤسسات الإعلامية ما تزال تمارس دور حارس البوابة
الرجوب: العلاقة بين المستخدم والخوارزميات تقوم على التأثير المتبادل
الخزاعي: المؤثرون يجذبون الشباب بمحتوى قريب من واقعهم
لم تعد القدوات التي يتأثر بها الشباب تقتصر على شخصيات الأنمي أو نجوم التلفزيون كما كان الحال في السابق، بل أصبحت المنصات الرقمية تفرض نماذج جديدة من المؤثرين وصناع المحتوى الذين يحضرون يومياً في حياة المستخدمين عبر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومع تصاعد دور خوارزميات المنصات الرقمية في تحديد المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، يثار تساؤل حول مدى تأثيرها في صناعة النجومية وتشكيل القدوات لدى الشباب، وما إذا كانت هذه المنصات تصنع قدوات حقيقية أم مجرد مشاهير يمتلكون القدرة على جذب الانتباه.
ويرى عميد كلية الإعلام في جامعة الشرق الأوسط الدكتور رامز أبو حصيرة أن الحديث عن دور الخوارزميات يجب أن يراعي التمييز بين المحتوى الذي تنشره المؤسسات الإعلامية عبر المنصات الرقمية، والمحتوى الذي ينتجه الأفراد وصناع المحتوى بصورة مباشرة.
وأوضح أن المؤسسات الإعلامية ما تزال تمارس دور «حارس البوابة» من خلال معايير التحرير والأخلاقيات المهنية، في حين تؤدي الخوارزميات دوراً أكبر في البيئة الرقمية المفتوحة، حيث تحدد المحتوى الأكثر انتشاراً بناءً على التفاعل والاهتمامات الشخصية أكثر من المعايير المهنية.
ويتفق معه أستاذ الذكاء الاصطناعي والروبوتات الدكتور أحمد الرجوب، موضحاً أن العلاقة بين المستخدم والخوارزميات تقوم على التأثير المتبادل؛ فالمستخدم يبدأ بإظهار اهتماماته، بينما تعمل الخوارزميات على تحليل سلوكه الرقمي بصورة مستمرة واقتراح محتوى مشابه قد يؤثر لاحقاً في اختياراته وتفضيلاته، الأمر الذي يجعلها شريكاً أساسياً في توجيه الانتباه وصناعة النجومية الرقمية.
وأشار أبو حصيرة إلى أن الخوارزميات لم تُلغِ دور حارس البوابة التقليدي، بل أعادت توزيع هذا الدور بين المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية، الأمر الذي جعل الحديث عن «حراس بوابة متعددين» أكثر دقة في البيئة الإعلامية الحديثة.
وأضاف أن انتقال الشباب من التأثر بشخصيات الأنمي والتلفزيون إلى المؤثرين وصناع المحتوى يرتبط بالتحولات التي شهدتها البيئة الإعلامية، حيث يقدم المؤثرون أنفسهم بوصفهم أفراداً عاديين يعيشون تفاصيل الحياة اليومية، ما يعزز شعور القرب والتشابه وإمكانية التفاعل المباشر معهم.
ومن زاوية اجتماعية، يوضح أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن المؤثرين يحققون حضوراً واسعاً بين الشباب لأنهم يتناولون القضايا التي تشغل هذه الفئة العمرية ويقدمون محتوى قريباً من واقعهم اليومي، لافتاً إلى أن الشباب والمراهقين هم الفئة الأكثر متابعة لهذا النوع من المحتوى عبر المنصات الرقمية.
ويشير الخزاعي إلى أن شعور الشباب بالقرب من المؤثرين يمنحهم قدرة أكبر على التأثير مقارنة بالشخصيات التلفزيونية التقليدية، خصوصاً في ظل التفاعل المباشر وإمكانية المشاركة والتعليق والمتابعة اليومية، ما يجعل المؤثر جزءاً من الحياة اليومية للمتلقي وليس مجرد شخصية يشاهدها من بعيد.
ويلفت أبو حصيرة إلى أن هذا التأثير يمكن تفسيره في إطار نظرية «الغرس الثقافي»، التي تفترض أن التعرض المتكرر والمكثف للمحتوى الإعلامي يسهم في تشكيل تصورات الأفراد للواقع وقيمهم واتجاهاتهم. وإذا كان التلفزيون قد مارس هذا الدور في العقود الماضية، فإن المنصات الرقمية تؤديه اليوم بصورة أكثر كثافة واستمرارية، من خلال الحضور اليومي للمؤثرين في حياة الشباب.
وفي المقابل، يوضح الرجوب أن خوارزميات منصات مثل «تيك توك» و"إنستغرام» تعتمد على تحليل مؤشرات التفاعل بشكل لحظي، مثل مدة المشاهدة والإعجابات والتعليقات والمشاركات، وعندما تكتشف أن محتوى معيناً يحقق تفاعلاً مرتفعاً، فإنها توسع نطاق انتشاره ليصل إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال فترة قصيرة، ما يجعل الشهرة الرقمية اليوم مرتبطة بقدرة المحتوى على تحقيق التفاعل بقدر ارتباطها بجودته.
ويحذر الخزاعي من أن هذا الواقع قد يؤثر في تصورات الشباب حول النجاح وأنماط الحياة، إذ قد تتحول الشهرة بحد ذاتها إلى معيار للتأثير بغض النظر عن القيمة الحقيقية للمحتوى أو الرسائل التي يقدمها.
وفي هذا السياق، يرى أبو حصيرة أن المنصات الرقمية لا تصنع بالضرورة قدوات حقيقية، وإنما قد تساهم أحياناً في صناعة مشاهير يمتلكون القدرة على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل، نظراً لأن معايير النجاح على المنصات ترتبط غالباً بالمشاهدات والانتشار أكثر من ارتباطها بالقيمة المعرفية أو الأخلاقية.
أما الرجوب، فيشير إلى أن مستقبل التأثير الرقمي قد يشهد تطورات أكبر مع ظهور الشخصيات الافتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت بالفعل قادرة على إنتاج المحتوى والتفاعل مع الجمهور وبناء هوية رقمية متكاملة، متوقعاً أن يشهد المستقبل تعايشاً بين المؤثر البشري والمؤثر الافتراضي، مع بقاء العنصر البشري الأكثر قدرة على نقل المشاعر والتجارب الواقعية.
ويؤكد الخزاعي أن مواجهة التأثيرات السلبية المحتملة لا تتم من خلال منع استخدام المنصات الرقمية، بل عبر تعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل الأسرة والمدرسة والجامعة، بما يساعد الشباب على التمييز بين الشهرة العابرة والقدوة الحقيقية، وبين المحتوى الهادف والمحتوى القائم فقط على جذب الانتباه.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، يبدو أن مفهوم القدوة لم يعد يُصنع داخل استوديوهات التلفزيون فقط، بل بات يتشكل يومياً عبر خوارزميات المنصات الرقمية وتفاعلات المستخدمين معها، في مشهد يعيد رسم العلاقة بين الإعلام والتكنولوجيا والمجتمع، ويطرح تساؤلات جديدة حول من يملك اليوم القدرة على التأثير في وعي الأجيال الشابة وتوجيه اهتماماتها.