كتب حيدر المجالي
كان صوف الأغنام متداولاً كثيرا في إتمام عقود الزواج قبل عقود خلت، ذلك أن المجتمع الأردني وخاصة في مناطق الجنوب يعتبرونه جزءاً أساسياً من مهر العروس، وتقدر كميته بالرطل، وقد يقع خلاف بين ذوي الخاطبين يؤدي إلى «فركشة العرس» إذا ما أخلّ العريس بالكمية المتفق عليها في العقد، لأن هذه السلعة المتداولة في ذلك الحين، لها قيمة معنوية ومادية على حد سواء.
يتذكر كبار السّن الذين واكبوا مرحلة التداول بالصوف، الأهمية التي يولونها لهذه السلعة الثمينة في ذلك الحين، حيث كانت تباع في الأسواق لهذه الغاية؛ فالعروس التي تحصل على كمية كبيرة منه تتباهى أمام صديقاتها بما قدمه لها الخطيب، إذ ترتبط الكمية بعدد (الفرشات واللحافات والمخدات) التي يتم صنعها من ذلك الصوف.
تلك العادات التي تعتبرها التسعينية أم سيف ذات جمال وألق، لم يعد لها وجود في ظل التطور الذي شهده المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بالزواج والمهر والأثاث، فلا ذكر للصوف بتاتاً؛ بعد أن إستُبدلت فرشاته بأخرى من الإسفنج، وتحول لحاف الصوف الثمين إلى قطعة من البوليسترين الصناعي الخفيف.
المجتمع الأردني في ذلك الحين يتعامل مع الصوف كما الذهب، فهو يُسجّل في عقد الزواج ويُلزم الزوج بإحضاره، لكن المسألة لا تتوقف عند الكمية فقط، بل ثمة عادات جميلة في التعامل معه منذ شرائه من السوق، وحتى إحضاره لبيت الزوج.
من العادات المتبعة أن تقوم الأم وبمشاركة القريبات والجارات بغسله إما في منزل العريس أو في مكان توفر الماء؛ ووجود الصوف بداية الفرح فتعلو أصوات الزغاريت وتدار القهوة على نساء الحي اللواتي جئن لرؤيته.
مرحلة غسيل الصوف هي الأصعب حسب أم سيف، فقبل أن يتم إستخدامه لحشو فرشات العروس، لا بد من تنظيفه جيداً، ثم (نفشه) بتعاون نساء القرية، وبعد إتمام ذلك، يتم قص القماش الذي يسمى آنذاك (خام) ويُفرد الصوف المنفوش عليه، ثم تتم خياطته، إذ تجلس كل سيدة على طرف من أطرافه، وقد تغني بعض النسوة أهازيج وهجيني فرحاً بالمناسبة.
أما (اللحاف) فيتم صنعه من (الخام) وقماش الساتان ذو الألوان الزاهية، وتُرسم بالخياطة اليدوية بواسطة إبر كبيرة تسمى (ميابر) وخيط (الفتلة) الأبيض بعض الرسومات، على شكل نجمة أو بعض الأشكال المتداولة، وخاصة اللحاف الخاص بالعروسين.
بعض الأزواج يتمكن من شراء (100 – 150) رطلاً من الصوف، وهذه الكمية تكفي لصنع أكبر كم من الفرشات، واللحافات والمخدات، أما إذا كانت أقل من ذلك فهذا يعني أن أوضاع العريس المادية لا تسمح بأكثر من ذلك، فيما تفتخر العروس التي تتمكن من صناعة فرشات أكثر أمام صديقاتها.
وبعد إتمام مراسم العرس، يتم نقل فرشات العروس ومخداتها مباشرة مع خروجها من منزل أبيها، حيث يتم الغناء الشعبي بذكر ذلك .. «لمي يا لمي ولميلي مخداتي .. طلعت من البيت وما ودّعت خياتي ..» وهذا دليل على أن العروس تأخذ أثاثها أثناء إنتقالها لمنزل زوجها.
كان يُراعى في تشييد البيوت القديمة المصنوعة من الحجر والطين، إيجاد مكان لوضع فرشات الصوف عليه، وهو ما يطلق عليه (مطوى) حيث يتم طي الفرشات واللحافات بطريقة جميلة ومرتبة لها فنونها.
أم سيف التي واكبت زمانا تعتبره أجمل مراحل عمرها، تنظر إلى العادات الطيبة كيف تلاشت، وأصبحت من الماضي، وأن الصوف لم يعُد يكتب في عقود الزواج كما كان سابقاً؛ كما أن الصوف إندثر بعد أن كان ركناً أساسياً من أركان بيت الزوجية، وحل محله الإسفنج، والحرامات، والبطانيات الصناعية.
فيما يتذكر محمد إبن تاجر السّمن والصّوف، كيف كانت تعج دكان أبيه الواقعة في شارع الخضر بمحافظة الكرك بمئات الأرطال من الصوف، إذ كان تجارة رائجة في ذلك الوقت، لكن الطلب قبل عقدين من الزمن بدأ يقل شيئاً فشيئاً لدرجة أنه أصبح معدوماً.
وذكر بأن مُنجّد الصوف كانت مهنة محترمة تدر دخلاً معقولاً، لكنها اليوم أصبحت عرضة للإندثار بعد أن رحل معظم أصحابها، وعدم إهتمام الأبناء بمهنة الآباء، فتحولت دكاكينهم لمحلات تبيع الفرشات الإسفنجية واللحافات المُصّنعة من البولسترين.
بعض الأهالي كانوا يستدعون (المُنجّد) لبيوتهم ليقوم بعملية نفش وصنع الفرشات، حيث كان البعض منهم يمتاز بمهارة في وضع نقوشه الجميلة ورسوماته المميزة على (اللحف) زاهية الألوان، كما يتذكر أبو خالد الخرشة؛ لكن التطور الذي شهده المجتمع فرض واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه، في الوقت الذي بقيت فيه فرشة الصوف كما يصفها معاصروها، الأصل في الفخامة والرقي والجمال والصحة.