«جُلت بين الطلاب .. بعد تكليفهم رسم ما يحلو لهم وبما يفكرون..
استوقفتني رسمة طالب.. فسألته عن الأشخاص الموجودين في لوحته الصغيرة ولكنه لم يجبني..
أخذت أتأمل بها كثيراً.. وأتساءل.. ما الذي دفع طفلاً صغيراً بالصف الثاني الابتدائي لأن يرسم مسدسا، وشخص يستخدمه بقتل انسان آخر ملقى على الأرض، أهل هو تأثره بالألعاب الالكترونية؟
أو أنه يحاكي ما يراه على شاشة التلفاز من حروب؟
أم هل هناك تفكير خفي بالموضوع ويترجمه على أرض الواقع بالرسم؟»..
هذا ما دلَت به معلمة التربية الفنية في احدى المدارس الخاصة «منتهى محمود» ل«أبواب - الرأي» فيما يتعلق بالرسم والحالة النفسية للطلاب.
وتابعت: «وعندما سألت المرشدة التربوية في المدرسة عن الحياة الشخصية لهذا الطالب بينت لي بأنه يعاني من اضطرابات نفسية نتيجة قتل والدته من قِبَل والده، وهو يعيش حالياً مع جدته، وهذه الحادثة يتخيلها دوما على الرغم من أنه لم يكن حاضراً وقتها»..
كما هو معروف.. يعتبر الرسم وسيلة للتعبير عن الانفعالات التي تواجه الإنسان وعواطفه، ويعد تعبيرا شخصيا لخبرته الذهنية، ولا يقتصر الأمر على الكبار فقط وانما الأطفال أيضاً اذ ان رسوماتهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصياتهم، وتدل على حالتهم النفسية، وما يعانونه من مشاكل داخلية، ويساعد أطباء التحليل النفسي على أن يستدلوا على مشاكل الأطفال النفسية من خلال تحليل رسوماتهم العفوية والتلقائية.
أهمية العلاج بالرسم
بيّنت أخصائية تحليل رسومات الأطفال والعلاج بالرسم «د. أسماء طوقان» أهمية العلاج بالرسم بقولها: «بعض الأطفال لديهم صعوبة في التعبير عمّا في داخلهم أو يخافون من قول الحقيقة، أو يخجلون أو لا يدركون ما سبّب اضطراباً في شخصيتهم، وعندما يسألهم الأهل أو المدرس أو الأخصائي عن سبب قيامهم بتصرفات مزعجة أو سلوكات خاطئة يجيبون ب «لا أعلم» أو ينكرون ما فعلوا أو يكتفون بالصمت وعدم الإجابة».
وتابعت «طوقان»: «وهذه من بعض الصعوبات التي نواجهها مع الاطفال، ولكن يمكننا من خلال رسومات الاطفال، وتحليلها، معرفة ما يكبت الطفل في داخله من مشاعر وأحاسيس وخبرات مؤلمة؛ لأنه يقوم بتفريغها باللاوعي، ومن خلال الرسم والألوان يمكننا معرفة ذلك والتوصل الى معاناة الطفل تدريجيا».
هل للألوان التي يستخدمها الطفل دلالات؟
وفيما يتعلق باختيار الطفل اللون الذي يستخدمه في رسمته هل له دلالات معينة أم مجرد لون أمامه التقطه ولوّن به؟.. أجاب عن ذلك استشاري الطب النفسي وعلاج الادمان «د. أشرف الصالحي»: «يميز الطفل الألوان على عمر سنتين لكنه لا يعرف دلالاتها الا على عمر 5-6 سنوات..
وهذه الدلالات التي عند الطفل تعتمد على ظروف تنشئته، وكيف تم إيصال المعلومة للطفل، فالأحمر قد يعني لون الدم في عائلة مضطربة، بينما يعني لون الحب عند عائلة مستقرة»..
كيف ﺗﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺍﻟطفل ﻟديه
مشكلات نفسية ﺃﻭ ﻋﻘﻠﻴﺔ؟
عن كيفية معرفة ﺃﻥ ﺍﻟطفل ﻟديه مشكلة نفسية ﺃﻭ ﻋﻘﻠﻴﺔ ذكرها «الصالحي»: اذا لاحظنا تغيرات واضحة بسلوكه (مثل العصبية المفاجئة، السلوك العدواني، الصمت التام) بشرط أن تكون هذه التغيرات سبقها حالة من الاستقرار، اي أنها جديدة.. وكذلك نراقب تغيرات نومه وشهيته وتعامله مع اخوانه ووالديه».
متى نلجأ الى الطبيب النفسي؟
أما عن الوقت الذي يستدعى للجوء الى الطبيب النفسي صرّحت «طوقان» عنه: «عندما نقوم بتحليل رسومات الأطفال، ونراقب سلوكه، ونلاحظ وجود خلل أو مشكلة، يتم التأكد من البيئة المحيطة للطفل، أي في المدرسة من خلال المدرسين، وفي المنزل من خلال أسرته نقوم بإجراء جلسات علاج نفسي وسلوكي للطفل، ولكن ان لم يظهر اي تحسن على الطفل نقوم بعرضه على الطبيب، وذلك لأنه يكون بحاجة الى علاج دوائي حسب حالة الطفل، والمشكلة التي يعاني منها فيكون بذلك علاجه سلوكيا ودوائيا».
أمثلة في كيفية تحليل رسومات الأطفال نفسياً وسلوكياً
قدّمت «طوقان» أمثلة على ذلك بقولها: «طلبتُ من طفل يبلغ 8 سنوات من العمر رسم والدته فاحمّر وجهه ورفض، ولكن عندما اخبرته بأنني سوف أرسم والدتي أنا أيضاً وسنقارن أي الرسمتين أفضل رسمتي أم رسمته، ابتسم ووافق على رسمها».
وتابعت مبينة التحليل العلمي والنفسي للرسمة بقولها: «استخدم اللون الأحمر وذلك يدل على العدوانية، كما أنه استخدم اللون الأسود وذلك يدل على القسوة والاكتئاب، وضخّم حجم الفم، وأبَرَزَ الأسنان الحادة وذلك يدل على الشر والعنف، كما ضخّم حجم الرسمة بشكل مبالغ به وذلك يدل على خوف الطفل منها وتخيلها وحشاً».
ولفتت «طوقان» الى أن الطفل أخبرها وهو يرسم الأسنان بأن لونهم أسود لأنهم متسخات من الكحول والدخان.
وأكملت حديثها مبينة ملاحظتها السلوكية للطفل أثناء الرسم بقولها: «كان غاضبا ومنفعلا ويضغط بقوة على القلم، وقد تبين من تحليل الرسمة ان الطفل يتعرض الى عنف جسدي من والدته، وتم التأكد من جدته من طرف الأب (يقيم معها الان ويناديها ماما)، وأخبرتني ان والدته كانت تعاني من اضطراب نفسي وكانت تضربه ضربا مبرحا، وأُدخِل المستشفى على أثره، وترفض رؤيته وتتناول المشروبات الروحية أمامه بكثرة (الأم أجنبية وهي منفصلة عن والده).
وأشارت «طوقان» الى أنه عندما سألته عن والدته قبل الطلب منه رسمها كان يخبرها بأنها تحبه، وهو يحبها جدا، وترسل له الألعاب والهدايا كل أسبوع من اميركا.
وقدمت «طوقان» مثالا آخر عن هذه القضية.. ولكن هذه المرة طلبت من طفل يبلغ 10 سنوات من العمر رسم نفسه، فرسم ذاته في أعلى الصفحة وقام بتضخيم حجم الرأس، ولم يقم برسم الأذن، أما بالنسبة لحجم الرسمه فإن حجمها صغير بالنسبة للورقة.
وذكرت «طوقان» التحليل العلمي والنفسي للرسمة بقولها: «علامات التوتر والقلق كانت واضحة جدا على الطفل، وذلك من خلال ملاحظتي السلوكية له أثناء الرسم، اذ كانت يداه تهتزان، واستخدم الممحاة بكثرة، وصغّر حجم الرسمة وذلك يدل على القلق والتوتر».
وأكملت «طوقان»: «خيال الطفل واسع وقد تبين ذلك من دلالات الألوان التي قام باستخدامها، فقد ضخّم حجم الرأس وذلك يدل على حب لفت الانتباه والذكاء لدى الطفل، أما عن عدم رسم الأذن فيدل ذلك على عدم رغبة الطفل بسماع بعض الكلمات المزعجة بالنسبة له فتجنب حاسة السمع، وعندما انتهى الطفل من الرسم سألته عن سبب عدم رسمه للأذن فأخبرني انه يصبح قبيحاً عندما يرسمها ويشبه القرد».
وأضافت مبينة التفسير النفسي لذلك: «ان الطفل باللاوعي لم يرسمها لعدم رغبته بسماع بعض الكلمات وتم التأكد من والدته دون وجوده، فأخبرتني أنه يتعرض الى العنف اللفظي الشديد من والده يوميا، ويقوم بوضع يدي ه على أذنيه ويبدأ في البكاء».
وفي النهاية .. لشدة أهمية رسومات الأطفال، على الجميع عدم إهمالها، وتأملها ملياً لمعرفة ما يخفيه الطفل في جوفه دون إعلامه عنها.
واذا أردتم معرفة سر معين لم يفصح عنه الطفل.. ما عليكم سوى الطلب منه رسمة معينة تخص هذا السر وقوموا بتحليلها.