كتاب

اتهامات تاريخية وكيدية

جدلية الادعاء والافتراء مع البراءة او عدم المسؤولية جدلية إنسانية قديمة ، وربما يقدم اعتماد الميزان بكفتيه فيصلا بين العدالة والظلم وبين من يتهم ومن ينفى لتحقيق العدالة هو ما تنشده هيئة التحقيق ولذلك نظم الفقه القانوني آلية الادعاء وصنف الأدلة ودرجات حجتها وترك للقضاء مهمة اعتمادها من منطلقات علمية ومعرفية للوصول الى الحقيقة واحقاق الحق ، ومع كل هذا الابداع الفقهي لتحقيق العدالة والوصول الى الحقيقة ، فقد وقعت هيئات التحقيق واجهزة انفاذ القانون وحتى المحاكم في أخطاء تاريخية وتم ادانة افراد اومنظمات او دول ظلما وبهتانا ، وعلى المستوى الفردي تعتبر قضيه الضابط الفرنسي « دريفوس « رمزا لظلم الاتهام اذ اتهم هذا الضابط بتسليم ملفات سريه الى المانيا أثناء حربها مع فرنسا ، وادين بتهمه الخيانة ، وحكموا عليه بالاشغال الشاقة واودع السجن في احدى الجزر الفرنسية ، وقد ناضل هذا الضابط وعائلته سنوات لاثبات براءته ، وفي نهاية المطاف تبين ان الخائن هو ضابط اخر يدعى ايسترازي وبعد اكثر من عشر سنوات ، تم اعلان براءه دريفوس بمرسوم خاص من رئيس الجمهوريه الفرنسية في ذلك الحين.

اما على الصعيد الدولي فعلى اثر الادعاءات الاميركية البريطانية بأن العراق يمتلك أسلحة كيماوية وينوي استعمالها ، تشكلت هيئة تحقيق من اعلى سلطة في الأمم المتحدة ، بحثت تحت كل حجر في العراق عن هذه الأسلحة الا انها لم تجدها ، ولكن ذلك لم يثن الولايات المتحدة وبريطانيا ، من السعي لتحقيق الهدف غير المعلن وهو تدمير العراق ارضاً وشعباً فقاما بفبركة الحجج والدلائل المزيفة والمصطنعة سواء بتهويل التقارير الاستخبارية المقدمة ، او عرض الصور بالحركات البهلوانية من قبل وزير الدفاع الأميركي كولن باول على أعضاء مجلس الامن والتي تبين فيما بعد انها كانت مركبة ومزورة ، ومن قبيل ما يطلق عليه بالقانون « صنع البينة « والتي يتم اللجوء اليها ، وفبركتها في الادعاءات الدولية ضد دولة مغضوب عليها لخلق ذرائع تدمير المدن العربية والممتلكات العامة ، ولنا أن نذكر بهذا الخصوص قضية ابنة السفير (نيره) التي تم اختيارها وتلقينها وتقديمها لتشهد باكية امام تجمع للجنة حقوق الانسان في العاشر من تشرين اول عام 1990 وقدمت على انها فتاه كانت تتواجد في احد مستشفيات الكويت وانها شاهدت جنودا عراقيين ياخذون أطفالا من الحاضنات ويتركونهم يموتون وقد ترك هذا العمل المسرحي اثره البالغ في نفوس المشاهدين ، لتلك المسرحية التي اشرف على إخراجها وتنفيذها شركة هيل نولتن المتخصصة في العلاقات العامة التي تولت حملة كسب التاييد للحرب لقاء 12 مليون دولار في ذلك الوقت. وغابت الحقيقة حتى عام 2009 عندما صدر تقرير لجنة التحقيق التي تشكلت بمبادرة من البرلمان البريطاني وتولاها القاضي تشلكوت والذي جاء بتقريره ما يلي :- « ان الأوهام وتقارير الاستخبارات السرية لم تصل الى دليل ملموس بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل « ويضيف ان ذلك أدى الى احتلال دولة ذات سيادة وهذا قد يرقى الى جريمة حرب.

الفصل الأخير بالاتهامات ذات الطابع الدولـي هو استعمال الاسلحــة الكيماوية في خان شيخون بسوريا ، فبعد انتظار توصلت منظمة حظر الاسلحة الكيميائية الى ان ضحايا خان شيخون قضوا نتيجة انتشار غاز السارين الا انها لم تجزم بان غاز السارين كان نتيجة قذائف محملة بالغاز القيت من الطائرات ، بل تم التأكيد ان مصدر الغاز هو حفرة في الأرض ، وهذا يفتح المجال اما للقول ان الحفرة نتيجة صاروخ محمل بالغاز او صاروخ غير محمل وقع على حفرة تخزيـــن للاسلحة الكيميائيـــة. لا احــد يستطيع ان يجــزم او ينفي استعمال النظــام او الجماعات المسلحة للغازات السامة ، فلا لجنة تحقيق من الأمم شكلت ولا دليل اثبات او نفي تم تقديمه من لجنة محايدة. وهناك من يقول: هل نحن بحاجة الى لجان تحقيق ؟! ، فالامر واضع والدليل قاطع ، ولكن نسي هؤلاء انه عندما تم قصف المدنيين في مذبحة قانا اللبنانية ، وقد فشل مجلس الامن بإدانة إسرائيل بعد استخدام الفيتو الأميركي بحجة عدم وجود دليل قاطع ، وطالبت أميركا وبريطانيا بتشكيل لجنة محايدة تحت اشراف الأمم المتحده لتحديد المسؤولية عن المجزرة ، وقد توصلت لجنة التحقيق الى استحالة ان يكون القصف نتيجة خطأ تقني بل كان متعمدا ، وان إسرائيل انتهكت القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحرب ، ونشر التقرير رغم الضغوطات الاميركية بعدم نشره ، الا ان الأمين العام المصري «بطرس غالي» الذي وقف مع ضميره رفض المساومة على ذلك مما أدى الى ان يخسر ترشيحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في الدورة الثانية.